واقع التراكم ونفي الاستقلالية والإنعزال في الحالة الآشورية.
يُعد تاريخ الشرق الأدنى القديم من أكثر الساحات جذباً للبحث والمراجعة، حيث يتطلب فهم الصراعات والحضارات المتعاقبة تفكيكاً لبنى الدول والإمبراطوريات التي هيمنت على المنطقة. ومن بين هذه الكيانات، تبرز الإمبراطورية الآشورية كقوة عسكرية وإدارية فرضت نفوذها لقرون. إلا أن القراءة المتأخرة والعميقة لمعطيات التاريخ والأنثروبولوجيا تفتح الباب لإعادة تقييم هذا الإرث، ليس من زاوية الانبهار بالمنجز، بل من زاوية البحث في الأصول والمصادر البشرية والمعرفية التي شكلت هذا الكيان، مما يضع مفهوم "الاستقلالية والابتكار الأصيل المنعزل" تحت مجهر النقد العلمي.
أولاً: واقع التراكم والمنشأ الحضاري المشترك.
عند فحص الجذور المعرفية والمادية لبلاد آشور، نجد أن الفكرة الأساسية الأولى تنطلق من تفكيك مقولة "الحضارة المستقلة". فالتاريخ لا يتحرك في فراغات منعزلة، وفي الحالة الآشورية يتجلى هذا بوضوح؛ إذ لم تكن هذه البنية سوى تراكم طبقي متتابع للحضارات الكبرى السابقة لها والمحيطة بها. وتتحقق التبعية والاقتباس في بداية الوجود السياسي لآشور، حيث بدأت كمحطة تجارية ومستعمرة تابعة لثقافات جنوب ووسط بلاد الرافدين. وتشير دراسات جامعة شيكاغو الموسعة في موسوعتها الشهيرة (Oppenheim, A. Leo. Ancient Mesopotamia, University of Chicago Press) إلى أن ملوك آشور الأوائل استعاروا نظامهم الإداري، وخطهم المسماري، وقوانينهم بالكامل من التراكم السومري والأكادي والبابلي. هذا الاعتماد يقود الفكر التاريخي إلى أن النموذج الآشوري لم يبتكر نسقاً حضارياً مستقلاً بذاته، بل كان عبارة عن إسفين سياسي وعسكري تم تركيبه فوق تجمعات وتراكمات حضارية نضجت وصيغت سلفاً بأيدي شعوب أخرى، وهو ما تؤكده مجلدات جامعة كامبريدج للتاريخ القديم (The Cambridge Ancient History, Vol. III, Cambridge University Press) عند تحليل أصول البنى السياسية في شمال بلاد الرافدين.
ثانياً: التنوع الديموغرافي والتداخل البشري في شمال الوادي.
بالانتقال من التراكم المعرفي إلى المكون البشري، تظهر المعطيات الأنثروبولوجية أن المنطقة الجغرافية لشمال بلاد الرافدين كانت تاريخياً ساحة مفتوحة للهجرات والتدفقات السكانية المتلاحقة، مما جعل نسيجها البشري ممتزجاً ومتداخلاً مع سائر شعوب المنطقة. وتكشف مراجعة تعاقب المجموعات البشرية أن ديموغرافية المنطقة تشكلت من طبقات سكانية متتالية؛ بدأت بالجماعات الحورية، ثم المجموعات الأكادية النازحة من الوسط، تلتها موجات القبائل الأمورية التي صاغت الهيكل السياسي الأول للحكم بقيادة الملك "شمشي أدد الأول"، وهو ما يوضح أن النواة البشرية للمنطقة قامت منذ البداية على التعدد والامتزاج. وقد تعمق هذا التداخل البشري في العصور المتأخرة نتيجة لسياسات الإمبراطورية في نقل وإعادة توطين ملايين البشر من الجماعات الآرامية والكلدانية والشعوب المجاورة في العواصم الشمالية كنينوى ونمرود. وتذكر البروفيسورة كارين رادنر من جامعة أكسفورد في مؤلفها (Radner, Karen. Ancient Assyria, Oxford University Press) أن هذه التحركات السكانية الواسعة النطاق أدت إلى تمازج ديموغرافي كامل بين المجموعات الوافدة والسكان المحليين. هذه النتيجة الأنثروبولوجية المتواصلة تبرهن بوضوح من الناحية العلمية أن الهوية هنا لم تتشكل كجنس معزول أو سلالة مغلقة، بل كانت عبارة عن نسيج سكاني مشترك ومتنوع شكلته سواعد ودماء مختلف شعوب المنطقة، مما يجعل من فكرة العزلة البيولوجية لأي جماعة في الهلال الخصيب طرحاً لا يتوافق مع حركة التاريخ المادي ومكتبات علم الآثار المعاصر (Younger, K. Lawson. A Political History of the Arameans, SBL Press).
ثالثاً: غياب الابتكار المعرفي والاعتماد على حرفية المهندسين والسبايا.
تصل الأفكار المتسلسلة إلى نتيجتها المنطقية عند مراجعة المنجز التقني. فإذا كانت الثقافة تراكمية والنسيج البشري ممتزجاً، فإن ما يُطلق عليه "اختراعات آشورية" يقع بدوره تحت طائلة الاستيلاء والتجميع؛ حيث لا يمكن علمياً إسناد براءة اختراع معرفية واحدة وأصيلة لآشور، بل يرجع الفضل للحرفيين والمهندسين من الشعوب المجاورة والمسبية. ويظهر تجميع تكنولوجيا الجيران بوضوح في تقارير معهد الشرق الأدنى بجامعة شيكاغو، والتي تؤكد أن تقنيات صهر الحديد وصناعة الدروع أُخذت بالتراكم من الحثيين، وتكتيكات الفرسان والعربات الحربية نُقلت عن الميتانيين، وعلوم الفلك والري المائي المرفوع تم استنساخها وتطويرها من بابل وسومر. وتكشف النصوص والرسائل الإدارية الرسمية المكتشفة في قصور نينوى ونمرود، والتي قامت بنشرها وترجمتها جامعة ليدن العريقة وجامعة بنسلفانيا (انظر أبحاث مشروع Oracc بجامعة بنسلفانيا حول سياسات إعادة التوطين Mass Deportation: The Assyrian Resettlement Policy)، أن البلاط الآشوري كان يختار عمداً النخب الحضرية، والعلماء، وخبراء العمارة، وفئات الحرفيين المتخصصين الذين تطلق عليهم النصوص مصطلح (Ummânu) و(Kitkittû - أي المهندسين والصنّاع المهرة) (انظر أبحاث جامعة ليدن: Craftsmen in the Neo-Assyrian Empire, Leiden University)، ويتم سوقهم قسراً من ممالك آرام والكلدان وفينيقيا لبناء العواصم. وتثبت البروفيسورة زينب بحراني، أستاذة الآثار والفنون بجامعة كولومبيا في كتابها الشهير (Bahrani, Zainab. The Graven Image: Representation in Babylonia and Assyria, University of Pennsylvania Press)، أن القصور الفخمة وتماثيل الثيران المجنحة والمنحوتات الجدارية لم تنشأ من عزلة ثقافية، بل كانت نتاج "الاستيلاء الثقافي" (Cultural Appropriation)، حيث أُجبر هؤلاء المهندسون والحرفيون الآراميون والكلدان والفينيقيون المسببون تحت وطأة السخرة على نقل وتطبيق خبراتهم وحرفيتهم الأصلية المتوارثة لبناء صروح نينوى ونمرود
الرابط: https://tinyurl.com/2sbnx297
أصول اللاماسو: من الأسطورة السومرية إلى الأثر المادي.
تجيب المصادر الأكاديمية بوضوح أن مفهوم اللاماسو يعود في جذوره اللغوية والدينية والأثرية إلى بلاد ما بين النهرين القديمة، أي إلى مرحلة سابقة على ظهور الدولة الآشورية نفسها بقرون طويلة.
الجذر اللغوي والديني في العصر السومري-الأكادي.
يوثق القاموس الآشوري لجامعة شيكاغو، وهو مشروع بحثي استغرق تسعين عاماً أنجزه فريق من كبار علماء الأشوريات بقيادة إغناس غيلب وبينو لاندسبرغر وأ. ليو أوبنهايم، أن مصطلحي “لامّو” (lammu) و”شيدو” (šēdu) وردا في النصوص المسمارية الأكادية كأسماء لأرواح حامية سابقة على الاستخدام الآشوري المتأخر لكلمة “لاماسو” (Gelb, Ignace J., et al., eds. Assyrian Dictionary of the Oriental Institute of the University of Chicago, Oriental Institute, 1956-2010). هذا يثبت أن الجذر اللغوي والديني لمفهوم الروح الحارسة يعود إلى طبقة لغوية أقدم من العصر الآشوري الحديث نفسه.
ويقدّم الآشوريولوجي الهولندي فرانس فيغرمان، في دراسته الصادرة عن دار بريل الأكاديمية، تحليلاً تفصيلياً للنصوص الطقسية التي تصف صناعة وتنصيب تماثيل الأرواح الحامية في بلاد الرافدين، ويربط بين هذه النصوص وبين الكائنات الأثرية الفعلية المكتشفة في الحفريات (Wiggermann, F. A. M. Mesopotamian Protective Spirits: The Ritual Texts, Cuneiform Monographs, Brill, 1992).
شخصية الأبكالو السبعة وربطها بجلجامش.
يشير مقال ببليوغرافي نُشر في مجلة Open Journal for Studies in History إلى أن الأصول الأسطورية لهذه الكائنات الحكيمة المجنّحة تعود إلى “الأبكالّو” (Apkallu)، وهم سبعة حكماء نصف آلهة في الأسطورة السومرية-البابلية، أرسلهم الإله إنكي (إيا بالأكادية) قبل الطوفان لتعليم البشر الحرف والفنون (Bondzhev. “Enki’s Seven Sages (Adapa/Oannes and the Apkallu)”, Open Journal for Studies in History, 7.1, 2024, pp. 31-44). ويستند هذا التحليل إلى ثلاثة مصادر مسمارية أولية: سلسلة الرقى الآشورية الحديثة “بيت ميسري”، وقائمة ملوك وحكماء أوروك المؤرخة إلى نحو 165 قبل الميلاد، وكتاب “البابيلونيكا” للكاهن البابلي بيروسوس الذي كتب باليونانية حوالي 290 قبل الميلاد.
الشاهد الأثري الأول من موقع خورسباد.
يوثق أرشيف مكتبة جامعة شيكاغو، ضمن معرضه العلمي “الذكرى المئوية للمعهد الشرقي”، أن أحد أهم تماثيل اللاماسو المكتشفة أُخرج من موقع خورساباد (دور شروكين) في شمال العراق عام 1929 على يد فريق تنقيب من المعهد الشرقي بقيادة إدوارد كييرا، وأن هذا التمثال يمثّل كائناً هجيناً أسطورياً برأس إنسان وجسم ثور وأجنحة طائر، وهو مذكور في ملحمة جلجامش كأحد المصادر النصية لأيقونته (University of Chicago Library. “Human-headed Winged Bull”, Discovery, Collection, Memory: The Oriental Institute at 100).
يضيف الباحث الفرنسي ب. كوتورو، في مقال نُشر عام 2026 في مجلة Ash-Sharq المتخصصة في آثار الشرق الأدنى، أن إعادة اكتشاف أحد ثيران خورسباد المجنّحة أعادت فتح النقاش حول السياق الأثري والأيقوني لهذه المنحوتات، مشيراً إلى أن أبعادها الضخمة (أكثر من 3 أمتار ارتفاعاً وحوالي 30 طناً وزناً) لم تُدرس بعمق كافٍ حتى الآن مقارنة بأهميتها (Couturaud, B. “Rediscovering The Human-Headed Winged Bulls Of Khorsabad: Some New Observations”, Ash-Sharq: Bulletin of the Ancient Near East, 10.1, 2026, pp. 64-80).
الرابط: https://tinyurl.com/bdvucyap
الحوريون والآشوريون: تفكيك لغز الأقدمية الوجودية في ضوء الكشوف التاريخية.
شهدت منطقة الهلال الخصيب عبر تاريخها الموغل في القدم تعاقباً حضارياً فريداً صاغ ملامح البشرية الأولى، وترك بصمات لا تُمحى في سجلات الزمان. ومن بين أكثر النقاشات المعرفية حيوية، والتي تشغل بال الباحثين والمؤرخين في دراسات الشرق الأدنى القديم، هو التساؤل الجوهري حول الجذور والسبق البشري: من سكن الأرض أولاً، وثبّت هويته الثقافية المستقلة قبل الآخر.. أ هم "الحوريون" أم "الآشوريون"؟
للوهلة الأولى، قد تبدو الإمبراطورية الآشورية بشهرتها العسكرية المدوية، وقوانينها الصارمة، وآثارها الشاخصة في المتاحف العالمية كأنها الأساس الحضاري القديم الذي نمت عليه مجتمعات الشمال منذ البداية. إلا أن المعطيات العلمية الموثقة، الصادرة عن أبحاث الحفريات الميدانية والتحليلات اللغوية المقارنة، تقدم لنا لوحة تاريخية مغايرة تماماً وتزيح الستار عن أسرار غابت طويلاً. هذه الحقيقة المادية تثبت أن الحوريين كشعب يتميز بهوية لغوية وعرقية مستقلة، يمثلون طبقة سكانية نائية في القدم سبقت بقرون طويلة تبلور "الآشوريين" وصعودهم ككيان إثني وسياسي مستقل على مسرح الأحداث.
الوضع التاريخي المبكر في شمال بلاد الرافدين.
لكي نفهم الأقدمية الوجودية بشكل علمي ودقيق، يجب أولاً تتبع المراحل الزمنية لظهور الهويات السياسية المستقلة في المنطقة. فعند العودة إلى المجلدات التوثيقية لـ "تاريخ كامبريدج القديم" (The Cambridge Ancient History)، يجد علماء الآثار والمؤرخون أن موقع مدينة "آشور" التاريخي في الألف الثالث قبل الميلاد لم يكن يمثل دولة مستقلة أو شعباً يحمل هوية قومية خاصة؛ بل كانت المدينة مجرد مستوطنة تجارية ومركز إداري تابع خاضع تماماً لسيطرة الإمبراطورية الأكدية (حوالي 2300 ق.م) ثم لسلالة أور الثالثة السومرية (حوالي 2100 ق.م).
وبحسب الموسوعات التاريخية العالمية مثل "موسوعة بريتانيكا" (Encyclopaedia Britannica)، فإن الآشوريين لم يظهروا ككيان سياسي مستقل وله سيادة متميزة إلا مع بداية الألف الثاني قبل الميلاد، وتحديداً في حدود عام 2025 قبل الميلاد مع اعتلاء الملك "بوزور-آشور الأول" العرش، وهو التاريخ الفعلي لنشوء العصر الآشوري القديم.
ومن هنا، يبرز السؤال المفصلي: من كان يملأ الفراغ الحضاري ويمتلك هويته المستقلة تماماً في جغرافيا الشمال خلال الألف الثالث قبل الميلاد، أي قبل صعود واستقلال آشور بقرون؟ الاجابة القاطعة التي تقدمها السجلات المسمارية والأبحاث الميدانية هي: الحوريون.
الدليل اللغوي: لغة فريدة في أرض بكر.
يمثل التحليل اللغوي التاريخي أحد أقوى المرتكزات العلمية التي يتكئ عليها المؤرخون لإثبات أصالة وأسبقية الحوريين في جغرافيا الشمال الباكر. فبينما تصنف اللغة الآشورية التي ظهرت لاحقاً بأنها لهجة مشتقة من اللغة الأكدية (وهي فرع من عائلة اللغات السامية)، فإن اللغة الحورية تقف في مكان فريد ومنفصل تماماً منذ أقدم العصور.
حيث تُصنف أكاديمياً في دراسات "المعهد الشرقي لجامعة شيكاغو" (Oriental Institute of the University of Chicago) بأنها "لغة منفصلة" (Language isolate) قائمة بذاتها لا تنتمي إطلاقاً إلى العائلة السامية ولا إلى العائلة الهندوأوروبية، بل تمثل عائلة لغوية قديمة وبائدة سادت في تلك الحواضن بشكل مبكر جداً.
وقد أثبت عالم الآشوريات الشهير إغناس غيلب (Ignace Gelb) في أبحاثه الموثقة حول الشعوب القديمة، أن الأسماء الحورية للأشخاص، والتضاريس، والمدن في مناطق الجزيرة وشمال نهر دجلة، تشكل ما يُعرف علمياً بـ "الطبقة السكانية السفلى الخفية" (Substratum). هذا المفهوم اللغوي يوضح علمياً أن الحوريين كانوا يشغلون تلك الجغرافيا، ويمتلكون لغتهم الخاصة المتطورة والمستقلة، ويعيشون في مجتمعات مستقرة، في زمن لم تكن فيه اللغة أو الأعراف الآشورية المتميزة قد ظهرت أو تبوّأت أي مكانة في تلك المناطق.
شهادة الحفريات: أوركيش تفكك التصورات الكلاسيكية.
لعقود طويلة من الزمن، ساد تصور كلاسيكي قديم يزعم أن الحوريين كانوا مجرد قبائل بدوية متأخرة هبطت من المرتفعات في فترات تاريخية حديثة. غير أن هذا التصور التقليدي انهار تماماً وتلاشى أمام المعطيات المادية المذهلة التي قدمتها الكشوف الآثارية الحديثة، وتحديداً في موقع "تل موزان" الواقع في شمال شرق سوريا الحالية، وهي المدينة التاريخية المعروفة باسم "أوركيش" عاصمة الحوريين القديمة.
الحفريات الميدانية الشاملة التي قادها البروفيسور وعالم الآثار الشهير جيورجيو بوتشيلاتي (Giorgio Buccellati) بالتعاون مع "معهد كوتسين للآثار بجامعة كاليفورنيا" (UCLA)، قدمت الدليل المادي الدامغ؛ حيث أثبتت أبحاث الجامعة أن الحوريين لم يكونوا بدواً رحلاً، بل نجحوا في بناء حضارة حضرية متطورة للغاية، وشيدوا معابد وقصوراً محصنة وضخمة في أوركيش منذ عصر السلالات المبكرة، وتحديداً في الفترة الواقعة ما بين 2900 إلى 2600 قبل الميلاد.
ويؤكد البروفيسور بوتشيلاتي في أوراقه العلمية المنشورة أن الحوريين هم "السكان الحضريون الأصليون" لتلك المناطق الشمالية، وأنهم أقاموا سلطة سياسية ونظاماً دينياً متميزاً ذو طابع حوري خالص وثابت، في زمن كان فيه موقع مدينة "آشور" مجرد بلدة صغيرة ومستوطنة تجارية غير مستقلة تخضع لإدارات الجنوب السومرية والأكدية، مما يعطي الأسبقية الوجودية للحوريين كشعب يمتلك دولة وهوية مستقلة وموثقة تاريخياً قبل استقلال وثبات الكيان الآشوري.
الاستقلال السياسي والسيادة التاريخية في الشمال.
لم تتوقف الأقدمية والأسبقية الحورية عند حدود الجذور اللغوية والآثارية في فجر التاريخ فحسب، بل تُرجمت أيضاً إلى تفوق سياسي وعسكري كاسح في فترات تاريخية لاحقة، مما يعكس عمق أصالتهم وقوتهم التنظيمية القديمة في المنطقة. فوفقاً لما يوثقه البروفيسور مارك فان دي ميروب (Marc Van De Mieroop) في كتابه الصادر عن "دار نشر جامعة أكسفورد" (Oxford University Press)، خضعت مدينة آشور نفسها بشكل كامل في منتصف الألف الثاني قبل الميلاد (الحقبة الواقعة ما بين 1450 إلى 1365 قبل الميلاد) لنفوذ وسيطرة مملكة "ميتاني" الحورية الشهيرة.
خلال تلك الحقبة من الزمن، تراجع الدور الإقليمي المستقل لآشور، حيث بسطت المملكة الميتانية الحورية سيادتها السياسية من عاصمتها الحصينة "واشوكاني". ولم يتمكن الآشوريون من استعادة زمام المبادرة وبناء قوتهم الإمبراطورية الخاصة إلا بعد أن دبت عوامل الضعف والانقسام في جسد المملكة الميتانية الحورية نتيجة صراعاتها الإقليمية الدامية مع الحثيين في الغرب. هذا التداخل والتشابك التاريخي الذي يذكره أيضاً المؤرخ البريطاني جورج رو (Georges Roux) في كتابه المرجعي "العراق القديم" (Ancient Iraq)، يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن الحوريين امتلكوا مشروعاً حضارياً وسياسياً ناضجاً ومبكراً في الشمال استند إلى جذور بشرية مستقرة وضاربة في عمق التاريخ الباكر للمنطقة.
الرابط: https://tinyurl.com/yc2pk3yd
الآشورية الحديثة بين مطرقة الهندسة التبشيرية وسندان التوظيف الاستعماري الغربي.
تتحرك أطروحات القومية الآشورية المعاصرة في فضاء مليء بالتناقضات التاريخية والهيكلية التي تضع ادعاءاتها في مأزق دائم أمام مناهج البحث العلمي الرصين والوثائق الأرشيفية الدولية. فالتيارات التي تحاول تسويق فكرة الاستمرارية العرقية والسياسية المباشرة للإمبراطورية القديمة التي تهاوت عاصمتها نينوى، تصطدم بحقائق الانقطاع الهوياتي والتشكيل المصطنع الذي جرى في دهاليز البعثات الغربية لخدمة مصالح جيوسياسية استعمارية.
وفي هذا المقال، نُفكك هذه الظاهرة من خلال أربعة محاور أساسية تكشف الأسباب الحقيقية وراء نشأة الهوية المعاصرة لـ الآشوريين الجدد، وإشكالية التسمية، والخلل البنيوي في هوية الكنيسة كمؤسسة قومية، وصولاً إلى الفجوة الصادمة بين النخبة الحاكمة والشعب:
أولاً: أزمة التسمية والانقطاع التاريخي قبل القرن التاسع عشر.
إن تتبع واقع المنطقة وقاطنيها قبل التغلغل الغربي يسفر عن غياب كامل لمصطلح الآشوريين كتعريف قومي أو عِرقي، حيث كان البديل الحصري والوحيد لقرون طويلة هو التعريفات الطائفية الكنسية المرتبطة باللغة الآرامية السريانية. وفي هذا السياق، يجمع كبار علماء السريانيات، وفي مقدمتهم الأكاديمي البروفيسور سيباستيان بروك في دراسته الأكاديمية المنشورة بعنوان الكنيسة النسطورية تسمية خاطئة ومؤسفة (Sebastian P. Brock, The ‘Nestorian’ Church: a lamentable misnomer) وكذلك في كتابه المرجعي المتكامل اللؤلؤة المخفية (The Hidden Pearl)، على أن مسيحيي مناطق حكاري وأورميا والموصل لم يكونوا يَعرفون أنفسهم بصفتهم قومية عرقية مستقلة، بل كانت هويتهم طائفية كنسية بحتة يدور فلكها حول الانتماء الإيماني واللغوي.
ويؤكد هذا المنحى الأكاديمي ديفيد ويلمهرست في كتابه التوثيقي الموسع الكنيسة الشهيرة تاريخ كنيسة المشرق (David Wilmshurst, The Martyred Church: A History of the Church of the East) مبيناً أن المصطلح الشائع علمياً ورسمياً لتوصيف هذه المجموعات كان النساطرة أو السريان أو الكلدان دون أدنى صبغة قومية مسيسة، حيث كانت كنيسة المشرق العريقة جامعة وشاملة احتضنت شعوباً متنوعة بدليل أن أحد بطاركتها كان من أصل مغولي. هذا الانقطاع التاريخي يتأكد سوسيولوجياً من عمق البيت الكنسي الداخلي للمنطقة، كما وثقه المطران أدي شير في كتابه المرجعي المطبوع في الموصل والمعنون بـ تاريخ كنيسة المشرق والمؤلف من ثلاثة أجزاء كاملة، حيث تتبع بدقة وثائق الكنيسة وسجلات بطاركتها دون أن يربط مجتمعاته المعاصرة برابط عِرقي أو سياسي مباشر مع الإمبراطورية القديمة.
وتتلاقى هذه الحقائق مع الأبحاث والمقالات اللغوية والنقدية للأب أنستاس ماري الكرملي والمنشورة باستفاضة في مجلة لغة العرب ومجلة المشرق البيروتية، والتي تثبت من خلال التنقيب اللساني أن المجتمعات المسيحية المحلية هي وريثة الحضارة الآرامية السريانية، وأن إقحام الرابط العرقي للآشوريين هو وافد استشراقي غريب على المنطقة. ومن الناحية الأثرية والتاريخية المادية، يقدم المفكر د. خزعل الماجدي في كتابه المعنون الحضارة الآشورية، تفكيكاً حاسماً يثبت فيه أن البنية الاجتماعية والسياسية للإمبراطورية القديمة قد تلاشت تماماً بعد سقوطها العسكري، مؤكداً أن إحياء التسمية في العصر الحديث يفتقر إلى الامتداد المادي المتصل ويمثل حركة قومية مستحدثة جرى تركيبها بأدوات سياسية حديثة. ويتلاقى هذا الطرح مع أدبيات المؤرخ د. أحمد سوسة في مؤلفاته المتعددة في تاريخ وآثار العراق وتطرقه لعدم صلة التسميات الإمبراطورية القديمة بالمجموعات المعاصرة، حيث اعتبر التسمية الحديثة نتاج مؤثرات تعليمية وسياسية خارجية عُزلت بها الطائفة عن محيطها الجغرافي واللساني السامي المشترك.
ثانياً: الهندسة الاجتماعية التبشيرية وصناعة الوعي الاستشراقي.
لقد بدأت صناعة هذه الهوية المعاصرة تتشكل ملامحها تجريبياً في منتصف القرن التاسع عشر عبر حمى الاكتشافات الآثارية لعواصم آشور القديمة في نينوى ونمرود، وهي الأبحاث التي رصدت خلفياتها المؤلفات الكلاسيكية الغربية مثل كتاب ألبرت أولمستيد بعنوان تاريخ آشور (Albert Olmstead, History of Assyria) وكذلك كتاب روبرت روجرز بعنوان المتوازيات المسمارية مع العهد القديم (Robert W. Rogers, Cuneiform Parallels to the Old Testament) مظهرة حجم الانبهار الغربي الذي ربط المكتشفات بنصوص العهد القديم، واضعاً مادة خصبة لإعادة قراءة واقع المسيحيين المحليين وإخراجهم من فضائهم التاريخي الطبيعي. ويظهر الدليل القاطع على هذه الهندسة الاجتماعية في كتاب الباحث الأكاديمي آدم بيكير المعنون الإحياء والصحوة المبشرون الإنجيليون الأمريكيون في إيران وأصول القومية الآشورية (Adam H. Becker, Revival and Awakening)، حيث يثبت بالوثائق أن المبشرين الأمريكيين والبريطانيين هم من أطلقوا تسمية الآشوريين على عشائر النساطرة وأدرجوها في مناهج مدارسهم التبشيرية لخلق سردية ملحمية مصطنعة تسهل تعبئة الرأي العام الغربي لدعمهم وتمرير تطلعاتهم.
ويتكامل هذا التحليل البنيوي مع ما يقدمه الباحث جون فلويد كواكلي في كتابه كنيسة إنجلترا ونساطرة حكاري (J.F. Coakley, The Church of England and the Nestorians of Hakkiari) فاضحاً آليات التمويل التي قادها رئيس أساقفة كانتربري بغرض تفريخ نخبة محلية ممسوسة بعقدة الماضي لخدمة المصالح البريطانية وتثبيت التسمية كبديل للهوية الطائفية الأصلية. هذا التحول التبشيري نوقش باستفاضة معمقة في الكتاب العمدة للمؤرخ والبروفيسور جون جوزيف المعنون الآشوريون في الشرق الأوسط لقاءات مع البعثات المسيحية الغربية وعلماء الآثار والقوى الاستعمارية (John Joseph, The Modern Assyrians of the Middle East)، موثقاً كيف تحول اللقاء الاستشراقي التبشيري إلى عملية إعادة صياغة كاملة لهوية السكان وتحويرها نحو مطالب سياسية مستقلة اصطدمت بمحيطهم، برغم محاولات النخب القومية اللاحقة تسويق هذا التحول كوعي أصيل كما يتجلى في كتابات المؤرخ الآشوري سركون دونابيد في كتابه المعنون إعادة صياغة تاريخ منسي العراق والآشوريون في القرن العشرين (Sargon George Donabed, Reforging a Forgotten History). ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى، جرى نقل هذه العاطفة القومية إلى فضاء العسكرة والتسييس، حيث يوثق المؤرخ ديفيد غايتر في كتابه التوثيقي المرجعي بعنوان المذابح المقاومة الحماة العلاقات الإسلامية المسيحية في الأناضول الشرقية (David Gaunt, Massacres, Resistance, Protectors) كيف دُفع بالمسيحيين النساطرة كـ آشوريين إلى أتون صراع عسكري دولي أكبر من طاقتهم نتيجة الوعود الغربية الكاذبة بالاستقلال، مما أدى لتفكك مجتمعاتهم ونزوحهم الجماعي.
ثالثاً: تحول الكنيسة من مؤسسة روحية إلى حزب قومي.
قد انحرفت كنيسة المشرق المعاصرة عن دورها الرسولي التقليدي لتبدو في عقودها الأخيرة أقرب إلى مؤسسة سياسية أو حزب قومي؛ فمعظم الخطابات والمواقف والتصريحات الصادرة عن قادتها لا تركز على البشارة الإنجيلية أو الروحانيات، بل تتمحور حول الأجندات القومية، وحقوق المكون الإثني، والخطاب الشوفيني الإقصائي أحياناً تجاه المكونات الشقيقة كالكلدان والسريان. هذا التسييس المفرط للمذبح جعل الكنيسة أسيرة للشعارات الأرضية، وأفقدها صبغتها الروحية كملاذ إيماني، ليتحول الأساقفة إلى منادين بالأيديولوجيا القومية بدلاً من تعاليم الإنجيل.
وتمتد تأثيرات هذا الاضطراب ليعصف بالاندماج الإقليمي في الجوار الإيراني والكردي، حيث يرصد المؤرخ الإيراني الكبير أحمد كسروي في كتابه التوثيقي الضخم المعنون تاريخ الثورة الدستورية الإيرانية الاضطرابات المسلحة في منطقة أورميا، وكيف تحول مسيحيو المنطقة بفعل التحريض والتنظيم الغربي إلى طرف في معادلة الصراع، مما نزع عنهم صفة التعايش المحلي وحولهم في نظر محيطهم إلى رأس حربة لمشاريع غريبة. وفي ذات السياق الجغرافي، توثق دراسة المؤرخ روبرت أولسون المعنونة ظهور القومية الكردية والمسألة الآشورية (Robert Olson, The Emergence of Kurdish Nationalism and the Assyrian Question)، وكذلك كتاب المؤرخ الكردي البارز محمد أمين زكي بك المعنون خلاصة تاريخ الكرد وكردستان من أقدم العصور التاريخية حتى الآن، جغرافية التماس والصدام الحاد الذي خلّفه هذا التدخل الأجنبي في تدمير شبكة العلاقات التقليدية بين القبائل.
وتظهر هذه الشروخ العميقة بوضوح في وثائق الملا مردان المشتملة على مخطوطات تاريخية ومذكرات محلية عن قبائل حكاري وتحديداً عشائر تياري تخوما باز في بدايات القرن العشرين، مبينة حجم الانقسام والعداء المستحدث مع الجيران. وبناءً على هذه المعطيات الجغرافية والمحلية، يطرح الأكاديميون مثل د. مهدي كاكه يي في سلسلته البحثية والمقالية النقدية الموسعة بعنوان هل النساطرة أحفاد الآشوريين، وكذا الدراسات الشرقية مثل دراسة الباحث متيف بارمتي المعنونة بـ الآشوريون والمسألة الآشورية والمكتوبة بالروسية والكردية (Matveev Barmati, The Assyrians and the Assyrian Question)، رؤية متطابقة تؤكد أن تحوير الهوية الطائفية لـ الآشوريين الجدد كان مشروعاً خارجياً مفروضاً تسبب في عزل السكان عن فضائهم الطبيعي ودفعهم نحو مغامرات سياسية خاسرة.
رابعاً: الفجوة الصادمة.. كنيسة تُوقع في روما وشعب يُمجد الهرطقة.
يكمن التناقض الأكبر والأكثر غرابة في الانفصام التام بين سلوك القيادة الكنسية والشارع التابع لها؛ فبينما تسجل السجلات التوثيقية للمؤرخ العراقي البارز عبد الرزاق الحسني في كتبه المرجعية التوثيقية المتمثلة في موسوعة تاريخ العراق السياسي الحديث بأجزائها الثلاثة وكذلك كتاب تاريخ الوزارات العراقية، والمؤرخ عبد المجيد حسيب القيسي في كتابه التخصصي بعنوان التاريخ السياسي والعسكري للآثوريين في العراق، تداعيات عسكرتهم في قوات الليفي ووقوع صدام سميل المأساوي عام ألف وتسعمئة وثلاثة وثلاثين عقب انسحاب التاج البريطاني وتخليه عن الصنيعة العسكرية التي أسسها، فإن هذا الاضطراب انتقل مباشرة لواقع المؤسسة المعاصرة. ويرصد هذا التبدل الاجتماعي العنيف للبلاد تاريخياً مخطوطات المؤرخ ياسين العمري المعنونة تاريخ بغداد في العهد العثماني والتي توثق مذكرات وسجلات إيالة بغداد مبيّنة تأثر الكيانات المحلية بالتدخلات الأجنبية وسعيها لانتزاع شرعية مفقودة.
وتشير الوثائق التاريخية من الأرشيف الوطني البريطاني (Kew) بملفات وزارة الخارجية (FO 371) لعامي 1933 و1934، إلى جانب ملفات عصبة الأمم حول قضية الحدود بين تركيا والعراق (League of Nations, Question of the Frontier between Turkey and Iraq)، حجم التوظيف الجيوسياسي للملف المسيحي في المنطقة. وفي خطوة متناقضة مع القواعد الشعبية، وقعت قيادة الكنيسة عام 1994 الإعلان الكريستولوجي المشترك مع الفاتيكان، متبرئة من اللاهوت النسطوري ومعترفة بإيمان الكنيسة الكاثوليكية وطبيعتي المسيح. في المقابل، يتبنى جزء من الآشوريين الجدد سردية قومية متطرفة في حالة انفصال تام عن هذا التقارب، مهاجمين التقارب الكنسي ومستمرين في تمجيد تعاليم أدانتها المجامع المسكونية، ما يكشف طغيان الشحن القومي على الثقافة اللاهوتية الرصينة، وتحويل الهوية نحو التمسك بموروث سياسي يرتبط باسم إله الحرب القديم آشور بدلاً من الهوية المسيحية التقليدية الجامعة والتقارب الروحي المنشود.
المنهجية الجغرافية في البراءات البابوية: تفكيك الأيديولوجيا العرقية في ضوء الطوبونيميا الكاثوليكية.
تنحو الأدبيات الأيديولوجية المعاصرة لتيار الآشورية الجديدة نحو إسقاط مفاهيم الدولة القومية الحديثة بأبعادها البيولوجية والسياسية على وثائق ومراسلات الكرسي الرسولي (الفاتيكان) التاريخية. ويعتمد هذا المسعى على آلية الانتقاء الاختزالي لبعض الألفاظ الواردة في البراءات البابوية التي حملت ألقاباً مثل آشور أو الآشوريين الممنوحة لبعض الأساقفة في القرون الماضية، عادّين إياها دليلاً رسمياً على استمرارية عرقية بيولوجية صلبة لم تنقطع منذ سقوط نينوى عام 612 قبل الميلاد على يد التحالف الميدي-الكلداني.
يطرح هذا المقال قراءة لاهوتية وقانونية تفكيكية مستندة إلى المنهج الأكاديمي الرسمي للكنيسة الكاثوليكية ومؤسساتها الحبرية، لإثبات أن الألقاب والتعيينات الواردة في الأرشيف البابوي هي تسميات جغرافية كتابية محكومة بمبدأ استمرارية التسمية الطوبونيمية (Toponymic Continuity)، ولا تحمل في طياتها أي دلالة إثنوغرافية عرقية.
أولاً: التحليل الوثائقي للبراءات البابوية ومعضلة الازدواجية الاصطلاحية.
عند إخضاع الأدلة المستندية الصادرة عن روما للنقد التاريخي الداخلي، تبرز تناقضات لاهوتية وقانونية يستحيل حلها ضمن المقاربة العرقية، وتتضح هذه المعضلة عبر التدقيق في الأرشيف الكنسي:
براءة التعيين الأولى عام 1553م:
عقب اتحاد كنيسة المشرق مع روما، أصدر البابا يوليوس الثالث البراءة البابوية الشهيرة لتثبيت البطريرك يوحنان سولاقا، حيث أطلق عليه رسمياً في النص اللاتيني لقب بطريرك الكلدان (Chaldaeorum Patriarcha). وفي مرسوم موازٍ صدر في ذات الفترة عن الكاردينال مادروتشي لتحديد النطاق الإداري لرعايته، وُصفت الأقاليم التابعة لولايته بأنها في آشور ونينوى وبابل (In Assyria, et Nínive et Babilonia).ومن الناحية المنهجية، لو كانت المصطلحات البابوية تعبر عن هويات عرقية جينية، لفضحت هذه الوثائق تناقضاً كنسياً بجمع عرقين مختلفين لبطريرك واحد وفي آن واحد. لكن القراءة القانونية الكنسية تفيد بأن لقب بطريرك الكلدان هو التوصيف الطقسي القانوني، بينما آشور ونينوى وبابل هي مجرد إحداثيات جغرافية كتابية لتحديد حدود الولاية الإدارية والرعوية.
الرمزية الكنسية للقب بطريركية بابل على الكلدان:
تحمل البطريركية الكلدانية رسمياً في الدليل الحبري السنوي للفاتيكان (Annuario Pontificio) لقب البطريركية البابلية للكلدان (Patriarchatus Babyloniensis Chaldaeorum). وبالقياس على المنطق العرقي لتيار الآشورية الجديدة، يترتب على هذا المصطلح افتراض وجود دولة بابلية سياسية قائمة بذاتها جينياً وتحكم بلاد الرافدين اليوم. وهو ما يثبت تهافت المقاربة الحرفية؛ إذ إن بابل وآشور في الدبلوماسية الفاتيكانية هي أقاليم ليتورجية تاريخية لا علاقة لها بالمكونات الجينية أو السلالات الحالية لسكان الموصل أو بغداد.
ثانياً: التأصيل الأكاديمي الكاثوليكي: الطوبونيميا التوراتية مقابل العرقية.
تعتمد المؤسسات الأكاديمية والموسوعية التابعة للكرسي الرسولي منهجاً لاهوتياً يرفض تسييس الجغرافيا أو تحويلها إلى أعراق بشرية مستدامة، ويمكن تتبع هذا الفكر عبر التلخيص المنهجي لأربعة مراجع لاهوتية عليا:
قاموس الكتاب المقدس الكاثوليكي الفرنسي (Dictionnaire de la Bible - Vigouroux):
يوضح الأب فولكون فيغورو عبر المداخل الجغرافية التاريخية للموسوعة الكاثوليكية الفرنسية الكبرى (مثل مادة Assyrie)، أن الأسماء الجغرافية التوراتية تمتلك أبعاداً إدارية وطوبوغرافية مستدامة تتجاوز بكثير العصور السياسية للكيانات التي أسستها. فالاسم الجغرافي يتحول في الفكر الكنسي إلى وصف إقليمي للمجموعات البشرية المتعاقبة على الأرض، بغض النظر عن هجراتهم أو تحولاتهم العرقية والبيولوجية.
معهد الكتاب المقدس الحبري في روما (Pontifical Biblical Institute):
ظهر الدراسات الطوبونيمية الصادرة عن هذا المعهد الحبري (ضمن منشورات كسلسلة Analecta Biblica و Biblica) أن الدوائر الفاتيكانية تعتمد على مبدأ استمرارية التسمية الجغرافية لإعادة إسقاط الأسماء التوراتية التاريخية كـ "آشور" على النطاق الإداري المعاصر (مثل منطقة الموصل) لأسباب رعوية وقانونية كنسية. ويُشبه ذلك استخدام مصطلح فلسطين تاريخياً لتحديد الحوض الجغرافي لسكان المنطقة عبر قرون من التغير العرقي، دون النظر إلى الأصول الجينية المتبدلة.
تفسير جيروم الكتابي الأكاديمي (The Jerome Biblical Commentary):
يشير هذا التفسير القياسي المعتمد في الجامعات البابوية عند معالجته للجغرافيا السياسية التوراتية، إلى أن مصطلحات كـ "بابل" و"آشور" تتسم بالمرونة الاصطلاحية والجيوسياسية في التقليد المسيحي؛ حيث تُستخدم لتعريف الواقع الديموغرافي والإقليمي المعقد لكل حقبة زمنية، مما ينفي عنها صفة الانعزال أو البقاء العرقي القومي المستمر من العصور القديمة.
أطلس الكتاب المقدس الكاثوليكي للأب لوكاس غرولنبرغ الدومنيكي (Grollenberg’s Atlas of the Bible):
يوضح الأب غرولنبرغ من خلال التحليل الخرائطي المعتمد كنسياً، أن رسم حدود الأبرشيات في الشرق الأدنى يلتزم بالطوبوغرافيا الكتابية الكلاسيكية، معتبراً آشور وميسوبوتاميا (بلاد ما بين النهرين) تصنيفات إقليمية ورعوية محددة بطبيعة الأرض، وليست هويات قومية أو عرقية جامدة.
ثالثاً: المرجعية الآبائية الحاسمة: "أونوماستيكون" أوسابيوس القيصري وترجمة جيروم.
لا يعد الاعتماد على المفهوم الجغرافي في الكنيسة استنتاجاً حداثياً، بل يمتلك حجية آبائية (Patristic Authority) مطلقة تعود إلى القرن الرابع الميلادي من خلال كتاب أونوماستيكون (Onomasticon) لأوسابيوس القيصري (توفي 339م)، والذي نقله إلى اللاتينية ونقحه القديس جيروم (توفي 420م)، شفيع دارسي الكتاب المقدس في الكنيسة الكاثوليكية.
ويمثل هذا العمل النواة التاريخية الأولى لعلم جغرافية الكتاب المقدس؛ حيث قام الآباء بربط المدن والممالك التوراتية القديمة بالواقع الديموغرافي والجغرافي المعاصر لعصرهم الروماني والبيزنطي. لم يبحث أوسابيوس أو جيروم عن سلالات عرقية جينية آشورية، بل قاما بإسقاط الاسم التوراتي لـ "نينوى وآشور" كعلامة جغرافية على السكان المسيحيين القاطنين في تلك البقعة في القرن الرابع، مكرسين مفهوم الهوية من خلال الأرض لا السلالة.
رابعاً: البنية القانونية للشركة الرسولية ومعضلة قرار عام 1976م.
حداثة التسمية الرسمية المعاصرة:
إن مصطلح كنيسة المشرق الآشورية بصيغته الرسمية الحالية لم يظهر في التاريخ الكنسي والوثائق الرسمية إلا في عام 1976م، بموجب قرار المجمع المقدس الذي عقده البطريرك الراحل مار دنخا الرابع في مهجره بمدينة سياتل بالولايات المتحدة الأمريكية، حيث أُدخلت الكلمة لإضفاء صبغة هوية قومية حديثة على الكنيسة في الاغتراب.
انتفاء الشركة الرسولية والتبعية القانونية:
لا توجد شركة رسولية وإدارية كاملة (Full Communion) بين كنيسة المشرق الآشورية وبين كرسي روما (الفاتيكان). فهي كنيسة مشرقية مستقلة (غير كاثوليكية) لا تتبع قداسة البابا، ولا تخضع لمجموعة قوانين الكنائس الشرقية الكاثوليكية (CCEO).
التحليل المنهجي: بناءً على هذا الواقع القانوني، فإن لجوء تيار الآشورية الجديدة إلى استخدام البراءات البابوية الكاثوليكية القديمة (التي أصدرتها روما حصراً لتنظيم شؤون الكنائس الشرقية الكاثوليكية كالكنيسة الكلدانية وكنيسة السريان الكاثوليك) كمستند لإثبات فكرهم القومي، هو خلل منهجي وتزييف للمفاهيم؛ إذ لا يمكن الاستدلال بوثيقة قانونية صادرة من سلطة (روما) لإثبات شرعية طرح كنيسة أخرى مستقلة إدارياً وتاريخياً.
خامساً: التفكيك اللغوي والديني للتسمية الآشورية.
المفارقة الكبرى التي تتجنبها أدبيات هذا التيار تكمن في البنية الاشتقاقية للاسم؛ فكلمة آشور (Assur) لم تنشأ تاريخياً كاسم لجد عرق بيولوجي أو سلالة بشرية، بل هي اشتقاق ثيوفوري ديني (Theophoric Name) يرجع إلى الإله الوثني "آشور"، رئيس مجمع الآلهة وحامي المدينة والدولة العسكرية.
تاريخياً، بعد السقوط المدمر لنينوى عام 612 ق.م على يد التحالف الميدي-الكلداني، عُدّ هذا السقوط لاهوتياً وتاريخياً قضاءً تاماً ومبرماً على المنظومة السياسية والدينية المرتبطة بعبادة هذا الإله. وبناءً عليه، تشتتت المجموعات البشرية التي تخلت عن العبادة الآشورية، وذابت في الهويات الإقليمية الإدارية الجديدة للشرق الأدنى القديم (كالفارسية واليونانية والسلوقية). وبالتالي، فإن محاولة تحويل تسمية دينية وثنية بائدة إلى عرقية قومية معاصرة يصطدم بأبسط قواعد الأنثروبولوجيا والتاريخ الكنسي الذي يرى في هذه المصطلحات مؤشرات جغرافية إقليمية بحتة.
يخلص المقال إلى أن استشهاد تيارات الآشورية الجديدة بالتعيينات والبراءات البابوية يمثل آلية انتقاء حرفي معزول يفرغ النص الكنسي القانوني من بيئته اللاهوتية والجغرافية. وتؤكد مصادر الكنيسة الكاثوليكية الرسمية المعتمدة — بدءاً من معاجم Vigouroux وصولاً إلى دراسات المعهد الحبري والتقليد الآبائي لأوسابيوس وجيروم — أن آشور في لغة روما الدبلوماسية هي هوية جغرافية وإقليم ليتورجي ثابت مرتبط بالأرض، يُنسب إليه كل من سكن هذه البقعة عبر العصور، دون أن يترتب على ذلك أي امتداد أو نقاء عرق بيولوجي لسكان المملكة الآشورية البائدة منذ عام 612 قبل الميلاد.
هل الكلدان آراميون؟ قراءة في الأدلة المسمارية والمراجع الأكاديمية الدولية.
شهد تاريخ الشرق الأدنى القديم، وتحديداً بلاد الرافدين خلال الألف الأول قبل الميلاد، حراكاً ديموغرافياً وسياسياً واسعاً أثر في صياغة خريطة المنطقة. ومن أبرز المجموعات التي ظهرت في المشهد البابلي والآشوري كانت القبائل الكلدانية والمجموعات الآرامية. ورغم المحاولات الحديثة لدمج الكيانين تحت مظلة هوية واحدة، فإن الأبحاث الأكاديمية الرصينة الصادرة عن كبرى الجامعات العالمية تبدد هذا الالتباس وتؤكد استقلالية الهوية الكلدانية وتمايزها التام عن الآرامية عبر الأدلة المسمارية التالية.
أولاً: الأدلة اللغوية وعلم الأسماء (Onomastics).
دائرة المعارف الإيرانية (Encyclopaedia Iranica) - جامعة كولومبيا.
توثق الموسوعة الأكاديمية أقدم ذكر لاسم "كلدو" (Kaldu) في نصوص الملك الآشوري آشور ناصربال الثاني (883-859 ق.م)، وتصفهم بأنهم قبائل سامية من جنوب بابل ظهرت في التاريخ المدوَّن بعد ظهور الآراميين بقرون. كما تستعرض نصوص الملك سنحاريب التي فرّقت بوضوح تام بين الآراميين والكلدان في حملاته العسكرية المعاصرة للأحداث، وهو ما ينفي دمج الهويتين.
دراسة البروفيسور رأن زادوك (Ran Zadok) - جامعة تل أبيب.
يحمل البحث عنوان "The Onomastics of the Chaldean, Aramean, and Arabian Tribes in Babylonia during the First Millennium". أثبت زادوك في دراسته الفيلولوجية لأسماء الأشخاص والأماكن وجود خصائص تسموية متمايزة تعكس أصولاً لغوية وثقافية مختلفة؛ فالكلدان آثروا استخدام الأسماء الأكادية البابلية المرتبطة بالآلهة المحلية، بينما حافظ الآراميون على تركيبة أسماء آرامية غربية مستقلة.
دراسة البروفيسورة كارولين فارتسيجرز (Caroline Waerzeggers) - مطبعة جامعة كامبريدج.
بحث إحصائي حديث مدعوم من مجلس الأبحاث الأوروبي حول الأسماء الشخصية في بابل. حللت فيه البروفيسورة آلاف الألواح المسمارية، مبرهنة على أن المجتمع البابلي الرسمي حافظ على فرز ديموغرافي واجتماعي ميز بين الأفراد ذوي الأصول الآرامية (الذين استوطنوا الأرياف) والكلدان (الذين اندمجوا في النخب الحضرية والسياسية البابلية)، مما يعكس وعياً مجتمعياً بالانفصال بين العرقين.
أبحاث البروفيسورة هيذر بيكر (Heather D. Baker) - جامعة فيينا.
من خلال مشروعها الشامل لتتبع الأسماء البابلية في النصوص المسمارية، وثقت الباحثة تفضيل الكلدان الصارم للتسمّي بأسماء أكادية ترتبط بالآلهة البابلية القديمة (مثل مردوخ ونبو). هذا النمط من التسمية يعكس تمايز هويتهم الثقافية والدينية العميقة داخل النسيج السكاني، بعيداً عن الثقافة اللغوية الآرامية المحيطة بهم.
بوابة البحث الهولندية (VU Research Portal) - جامعة فريي بأمستردام.
دراسة أكاديمية توثق ديموغرافية بابل في زمن نبوخذ نصر كبلد متعدد الأعراق يسكنه البابليون والكلدان والآراميون. تُظهر الدراسة أن هذه المسميات كانت تصنيفات عرقية رسمية منفصلة ومستخدمة بشكل مستقل في النصوص المسمارية قبل أن تتراجع تدريجياً في السجلات المتأخرة، مما يعني أن الدولة كانت تعاملهم كشعوب مختلفة.
ثانيا: التمايز السياسي وهيكلية الإمارات الكلدانية.
بحث البروفيسور جون نيلسن (John P. Nielsen) - جامعة برادلي.
يحمل بحثه المحكّم عنوان "Kings of Chaldea and Sons of Nobodies". يوثق نيلسن بالدليل النصي وجود خمس قبائل أو إمارات كلدانية متمايزة تماماً في بنية بابل السياسية وهي: (بيت ياكين، بيت دكوري، بيت أموكاني، بيت سيلاني، وبيت شآلي). هذه الكيانات الخمس كانت تمثل الجغرافيا والأرض الكلدانية المستقلة سياسياً وإدارياً عن المناطق التي يسكنها الآراميون.
كتاب البروفيسور ك. لاوسون يونغر (K. Lawson Younger Jr.) - مطبعة جامعة أكسفورد.
في كتابه القياسي الضخم "A Political History of the Arameans"، يفرد البروفيسور فصولاً للمقارنة الصارمة بين التواجد الآرامي والكلداني في جنوب بلاد الرافدين. يوضح يونغر أن الكلدان تميزوا ببنية سياسية مركزية قوية وإمارات حضرية مستقرة تعتمد على المدن المحصنة والزراعة والتجارة، في حين حافظ الآراميون على نمط رعوي وقبلي مجزأ ومستوطنات ريفية متباعدة.
كتاب المؤرخ غرانت فريم (Grant Frame) - جامعة بنسلفانيا.
في مؤلفه الأكاديمي المحكّم "Babylonia 689-627 B.C.: A Political History"، يعامل المؤرخ الكلدان كفصل سياسي وتاريخي مستقل بالكامل عن الآراميين. يتتبع الحراك السياسي المستقل لكل مجموعة، مؤكداً أن الصراعات السياسية والتحالفات مع القوى الإقليمية (مثل عيلام وآشور) كانت تتم بناءً على مصالح كل كيان عرق سياسي بمفرده.
ثالثاً: التصنيف الإداري والرسائل الملكية المعاصرة.
دراسة البروفيسور فريدريك ماريو فاليس (F. M. Fales) - جامعة بنسلفانيا (مشروع Oracc).
في بحثه "Moving around Babylon: On the Aramean and Chaldean Groups"، يوضح فاليس الفوارق البنيوية والزمنية بين المجموعتين في السجلات المكتوبة. وفي أبحاثه الإضافية حول الرسائل الملكية وتقارير المخابرات الآشورية، يثبت أن البيروقراطية العسكرية والكتّاب الآشوريين المعاصرين للأحداث كانوا يصنفون الكلدان والآراميين كجموعتين مستقلتين، ولم يخلطوا بينهما قط في التقارير الأمنية والتعيينات.
أبحاث البروفيسور إيفا فون داسو والبروفيسور مايكل شتريك - الموسوعة الألمانية للآشوريات (Reallexikon).
توثق الأبحاث الجغرافية الصادرة في هذه الموسوعة الصارمة أن الإدارة الآشورية الحديثة كانت تستخدم لغة تعيين إدارية دقيقة؛ حيث أطلقت مصطلح "بلد الكلدان" (māt Kaldu) للدلالة على مقاطعات جغرافية محددة المعالم بحدودها وقادتها وضرائبها، وهي تصنيفات إدارية منفصلة تماماً عن مناطق انتشار القبائل الآرامية (Aramu).
دراسة الدكتور زاك شيري (Zack Cherry) - جامعة أوبسالا السويدية.
يحمل كتابه الأكاديمي اسم "Aramaeans, Chaldeans, and Arabs in Neo-Assyrian Relations". يبحث في الأرشيف الإداري والرسائل الملكية لملوك آشور (مثل سرجون الثاني وأسرحدون)، ويقدم الأدلة النصية المسمارية على أن الدولة الآشورية كانت تفصل تماماً بين "كلدو" و"أرامو" في المعاملات الرسمية، وتصنيفات الولاء السياسي، وجباية العوائد المالية والضرائب.
رابعاً: التمايز المؤسسي وإدارة سلالة بابل الحديثة.
أبحاث البروفيسور بول-آلان بوليو (Paul-Alain Beaulieu) - جامعة تورنتو.
في بحثه "Arameans, Chaldeans, and Arabs in Babylonian and Palestine" وكتابه المحدث لعام 2018 "A History of Babylon"، أثبت البروفيسور بوليو أن الكلدان كانوا أكثر ارتباطاً مؤسسياً وجغرافياً بالمدن البابلية والسومرية القديمة (مثل أوروك) مقارنة بالآراميين. هذا التداخل الجغرافي والاندماج في المعابد والمؤسسات المحلية يمثل تمايزاً بنيوياً ومؤسسياً عميقاً وليس مجرد تباين لغوي.
موسوعة البروفيسورة أميلي كورت (Amélie Kuhrt) - كلية لندن الجامعية (UCL).
تفرد الباحثة في موسوعتها القياسية التاريخية "The Ancient Near East" قسماً خاصاً لصعود الكلدان والآراميين في بابل خلال الألف الأول قبل الميلاد. وتتعامل معهما ككيانين ديموغرافيين مختلفين واجها الإمبراطورية الآشورية الحديثة بأساليب سياسية وعسكرية متباينة، وتؤكد استقلال الهوية التاريخية الخاصة بكل شعب منهما.
كتاب البروفيسور إدوارد ليبينسكي (Edward Lipiński) - جامعة لوفان البلجيكية.
في مرجعه الضخم "The Aramaeans: Their History, Culture, Religion"، يتتبع عالم اللغات السامية الشهير تاريخ الآراميين وقبائلهم ومناطق انتشارهم، ويضع حدوداً فيلولوجية وتاريخية صارمة تفصلهم عن الكلدان، موضحاً الفوارق الدقيقة في طبيعة الاندماج الاجتماعي والسياسي داخل بلاد الرافدين.
أبحاث البروفيسور مايكل يورسا (Michael J. Jursa) - جامعة فيينا (ودار بريل Brill في ليدن).
يثبت البروفيسور يورسا من خلال الأرشيفات المالية والمستندات الاقتصادية المسمارية أن الكلدان كانوا يمتلكون أراضٍ زراعية شاسعة ومؤسسات تجارية منظمة باسم قبائلهم الخمس الكبرى، ما منحهم وضعاً قانونياً واقتصادياً متمايزاً ومستقلاً أمام الدولة البابلية والآشورية عن المجموعات الآرامية الرعوية في تلك الحقبة.
كتاب البروفيسور هـ. و. ف. ساغز (H. W. F. Saggs) - جامعة لندن والمتحف البريطاني.
يوضح في كتابه "Babylonians" كيف أن صعود "السلالة الكلدانية" في بابل بقيادة نبوبلاسر ونبوخذ نصر كان يعتمد على تغلغل حضري وسياسي داخل أسوار بابل. ويؤكد أن الهوية السياسية لهذه السلالة الحاكمة بقيت بابلية النخبة والثقافة، ومتميزة تماماً عن القبائل الآرامية المحيطة بالمدن.
خامساً: الرد الأكاديمي على فرضية "آرامية الكلدان.
يتداول البعض فرضية قديمة مفادها أن الكلدان هم مجرد فرع أو قبائل تنحدر من الأصول الآرامية، وهي فرضية نشأت تاريخياً بناءً على استنتاجات سطحية لبعض مؤرخي القرن العشرين قبل التوسع في فحص الألواح المسمارية. بيد أن التقدم الهائل في علم الآشوريات وفحص الأرشيفات السرية والرسائل الإدارية كشف عدم دقة هذا الادعاء عبر أدلة علمية صارمة:
البروفيسور ك. لاوسون يونغر Jr. (K. Lawson Younger) - مطبعة جامعة أكسفورد.
يفند البروفيسور يونغر في أبحاثه فرضية الدمج العرقي، موضحاً أن نشوء هذه النظرية قديماً جاء نتيجة "المجاورة الجغرافية" والتحالفات العسكرية المؤقتة بين الطرفين ضد الإمبراطورية الآشورية الحديثة. ويثبت يونغر أن التحالف العسكري في الحروب القديمة لا يعني أبداً وحدة العرق أو الأصل، بدليل أن النصوص المسمارية الآشورية التي وثقت هذه التحالفات بقيت حريصة على ذكرهما كجيشين وكيانين منفصلين (الكلدان والآراميين).
البروفيسور رأن زادوك (Ran Zadok) - جامعة تل أبيب (توسيع لـ أبحاث الفيلولوجيا).
يقدم البروفيسور زادوك الرد القاطع من الناحية الفيلولوجية (اللغوية)؛ حيث يؤكد أن لغة الأسماء الشخصية للقبائل الكلدانية الخمس تخلو تماماً من العناصر اللغوية والاشتقاقات الآرامية الغربية التقليدية في تلك الحقبة. هذا الانفصال اللغوي الصارم في تسمية الأبناء والقادة يقطع الشك باليقين بأن الكلدان حافظوا على هوية لغوية وثقافية مستقلة لم تندمج أو تنبثق من الآرامية.
بناءً على هذا المسح الشامل والمنظم للمصادر الأكاديمية الدولية ونتائج فحص الألواح المسمارية، يتضح أن الكلدان والآراميين مجموعتان مستقلتان تاريخياً وفيلولوجياً وإدارياً. دمج الهويتين لا يستند إلى أي حقيقة نصية معاصرة، فالأدلة القاطعة تؤكد أن الكلدان ليسوا آراميين.
الرابط:https://tinyurl.com/2tue6hej
المفهوم الإبستمولوجي للعلوم الرافدينية: رد الاعتبار المعرفي لإرث بابل القديم.
أزمة المصطلح والإسقاطات الحديثة.
تُعد محاكمة مجتمعات العالم القديم بمصطلحات وقيم القرن الحادي والعشرين من أبرز الإشكاليات المنهجية التي تقع فيها الدراسات التاريخية السطحية اليوم؛ فحين يُنعت تراث وادي الرافدين، وبابل تحديداً، بألفاظ فضفاضة وسلبية مثل "الشعوذة والدجل"، فإن هذا التسرع لا يعكس حقيقة الألواح المسمارية المكتشفة، بل يعكس قصوراً حاداً في فهم الأنظمة المعرفية القديمة وتداخل العلوم وتطورها عبر العصور (Natural Philosophy or Science in Premodern Epistemic Regimes).
يهدف هذا التمهيد التوثيقي إلى تفكيك هذه الصور النمطية السائدة، وإعادة قراءة ما يُسمى في العصر الحديث "سحراً وتنجيماً" في سياقه الأكاديمي الحقيقي؛ فنحن بحاجة ماسة إلى فحص هذا الإرث الإنساني ليس كخرافات بدائية، بل كـ "فلسفة طبيعية مبكرة" تمتلك اتساقاً داخلياً وعقلانية خاصة بها، وبنية علمية ومؤسساتية أصيلة قامت عليها حضارة بابل.
أولاً: العلوم النجمية البابلية الحسابية.. رياضيات السماء الحاكمة.
في الوعي المعاصر، نضع "علم الفلك" (Astronomy) في كفة العلوم الحقيقية، وننبذ "التنجيم" (Astrology) في كفة الأوهام، لكن هذا الفصل الحاد كان منعدماً تماماً في بابل القديمة؛ إذ شكلت دراسة السماء منظومة موحدة تدرسها موسوعات تاريخ العلوم العالمية كعلم متكامل ومستقل (Babylonian and Assyrian Astral Science)، وتفرد لها فصولاً كاملة تدرس أبعادها الفلسفية والتاريخية (Astrology, chapter 23, The Cambridge History of Science).
وتؤكد البروفيسورة العالمية فرانسيسكا روشبرغ في كتابها المرجعي (Before Nature: Cuneiform Knowledge and the History of Science) أن البابليين لم يكونوا يمارسون دجلاً قائماً على التخمين، بل أسسوا نظريات تجريبية رصينة قبل ولادة مفهوم "الطبيعة" اليوناني بقرون، وتضيف في دراساتها المعمقة حول النبوءات والأبراج البابلية (The Heavenly Writing) وتوثيقها للألواح الفلكية القديمة (Babylonian Horoscopes) أن التنجيم البابلي كان علماً منظماً يعتمد على رصد السماء بصفتها "كتابة إلهية" مشفرة تخضع لقوانين دورية منتظمة، ولم يكن شعوذة للأسباب التوثيقية التالية:
الرياضيات الصارمة: يثبت مؤرخ العلوم الكلاسيكية الفذ أوتو نيوجيباور في عمله الموسوعي (A History of Ancient Mathematical Astronomy) أن بابل وضعت الأساس الرياضي والستيني الحقيقي لعلم الفلك الحسابي المتقدم الذي استعاره منها اليونان لاحقاً لبناء أطروحاتهم العلمية.
هيكلة الأبراج ومأسستها: يوضح الباحث ماتيو أوسيندريفر في دراسته حول العلوم النجمية في الوركاء (Astral Science in Uruk) كيف أدارت مكتبات المعبد والمجتمعات العلمية عمليات نقل المعرفة الفلكية، وهو ما تدعمه وتنشره الأبحاث الدولية الحديثة التابعة لجامعة برلين الحرة (ZODIAC Project Publications).
التوثيق والرسم البياني: لم يكن الأمر شفهياً أو عشوائياً، بل يوثق الباحث إم. ويليس مونيرا في مجلة تاريخ الفلك وجود مخططات ورسوم بيانية فلكية دقيقة للغاية منقوشة على الألواح المسمارية (Astronomical and astrological diagrams).
السياق السوسيولوجي والتحليل: يبين الباحث ديفيد براون في أطروحته أن التنجيم والرصد كانا متداخلين بشكل عقلاني مع الطب، والدين، والسياسة، وإدارة المجتمع (Astral Divination in the Context...)، كما أن دراسة هذه الإشارات وفك رموزها كان يخضع لآليات تفسير معقدة وشديدة التنظيم كما يظهر في أبحاث معهد المشرق بجامعة شيكاغو بإشراف الباحث عمار أنوس حول (Divination and Interpretation of Signs).
ثانياً: السحر والطب البابلي.. منظومة استشفائية لمشفى الجسد والروح.
التهمة الثانية التي تُصوب نحو حضارة بابل هي "الشعوذة الطبية"، وهنا تأتي الأبحاث المعمقة للبروفيسور ماركام جيلر لتسحق هذا الادعاء تماماً؛ ففي كتاباته الأساسية الثلاثة: (Ancient Babylonian Medicine: Theory and Practice)، و*(Babylonian Medicine, Magic, Astrology)، و(Archaeology of Touch)*، يبرهن جيلر أن بابل عرفت منظومة طبية متكاملة مدعومة مؤسساتياً من الدولة، ولم يكن السحر فيها معزولاً عن التجربة العلمية العقلانية.
لقد كانت المنظومة الطبية الرافدينية تعتمد على بروتوكول مزدوج يتداخل فيه تخصصان رسميان:
الآسو (Asû): الطبيب العملي أو الصيدلاني الذي يعالج بالمواد العضوية، والأعشاب، والزيوت، والتركيبات الطبية التجريبية الكيميائية، والتداخل الجراحي المحدود، وهو ما تؤكده الباحثة إيميلي تيل في دراستها حول الطب والممارسة الطبية الرافدينية (Medicine and Doctoring in Ancient Mesopotamia)، والباحث إيه. جي. وايت في بحثه التوثيقي حول طبيعة العمليات والجراحات البابلية (A Characterization of Mesopotamian Surgical Practices).
الآشيبو (Āšipu): المعالج الطقسي أو الساحر الشرعي المعين من الدولة، ولم يكن الـ Āšipu دجالاً يخدع العامة، بل كان يمثل بمصطلحات اليوم "الطبيب النفسي"؛ فالبابلي كان يعتقد أن المرض اختلال روحي وجسدي معاً، فالأعشاب تعالج العَرَض الظاهر، والطقوس تعالج السبب الماورائي وتطرد القلق الوجودي والخوف من نفسية المريض.
وفي كتاب جيلر التوثيقي حول نصوص تعاويذ طرد الشر (Healing Magic and Evil Demons: Canonical Udug-hul Incantations)، يتضح أن هذه التعاويذ كانت نصوصاً أدبية وطبية معيارية محددة غايتها الطمأنينة النفسية، ولهذا السبب كرم المجتمع الأكاديمي البروفيسور جيلر في كتاب الأبحاث المحكمة الخاص به (Mesopotamian Medicine and Magic: Studies in Honor of Markham J. Geller) اعترافاً بفضله في تبرئة الطب البابلي من تهمة الدجل البدائي.
هذه العقلانية الطبية الطقسية الممنهجة تؤكدها أيضاً دراسات الباحثة أولا كوخ-ويستنهولتس حول الفلسفة التنجيمية والطقسية البابلية (Mesopotamian Astrology)، والمشروع التوثيقي الضخم بجامعة فورتسبورغ الألمانية لجمع النصوص الطقسية الرسمية المضادة للسحر الأسود الضار (Corpus of Mesopotamian Anti-Witchcraft Rituals - CMAWRo)، والتي تثبت جميعها أن الدولة البابلية كانت تحارب السحر العشوائي الضار (الشعوذة) عبر سحر استشفائي حكومي منظم وحماية نفسية متكاملة للمواطنين.
إن المراجعات النقدية الصارمة المنشورة في كبريات المجلات العالمية، مثل مجلة الدراسات الهيلينية بجامعة تورونتو (Review, Journal of Hellenic Studies Online) ومجلة (Review, Aestimatio) لتقييم تاريخ العلوم، تؤكد على حقيقة علمية واحدة: إن نعت علوم بابل القديمة بالسحر والشعوذة هو خطأ معرفي فادح وقصور في قراءة التاريخ.
بابل لم تكن أرضاً للدجالين والمشعوذين، بل كانت مهد العلم المؤسساتي الأول في تاريخ البشرية؛ حيث تعايش الحساب الرياضي الفلكي المعقد مع قراءة الرسائل السماوية، وتكامل العلاج العشبي الصيدلاني مع التعويذة النفسية الطقسية. هذا النظام المعرفي المتسق والعميق هو ما يجب فهمه وفك رموزه كأرضية صلبة قبل دراسة أي سلالة أو حضارة رافدينية لاحقة قامت بوراثة هذا الإرث وتطويره وتقديمه للعالم.
الرابط: https://tinyurl.com/mvuadtfm
المغالطات التاريخية في السومريات: قراءة تفكيكية في لغويات الأسماء والشرعية الجغرافية.
تُعاني الأدبيات التاريخية الشائعة، وبعض الأوساط الأكاديمية التقليدية، من أزمة معرفية تتمثل في "إسقاط مفاهيم القومية والحدود السياسية الحديثة" على مجتمعات الفضاء الرافديني القديم. إن تحويل الفرضيات الآثارية المؤقتة إلى "مسلمات أيديولوجية مغلقة" خلق تصوراً زائفاً في الفضاء الثقافي العام حول وجود عرق بشري ناصع، معزول، ومستقل، انصهر في هوية قومية موحدة تُدعى "الحضارة السومرية".
يتحرك هذا البحث ضمن منهجية "نقد النقد" (Historiography & Deconstruction) لتفكيك هذه المغالطة المعرفية. إننا لا نسعى هنا لنفي المنجز الحضاري المتراكم في جنوب بلاد الرافدين، بل لتفكيك "المغالطة العرقية" الشائعة حوله. وينطلق البحث من فرضية أساسية: إن ما يُطلق عليه "سومر" لم يكن كياناً عرقياً نقياً، بل توليفة سياسية وجغرافية عابرة للأعراق، تداخلت فيها المجموعات السامية (الأكدية) والعزلية منذ فجر السلالات. ولإثبات ذلك، يعتمد البحث على التشريح اللغوي والصرفي للنصوص المسمارية، وبنية أسماء الملوك، مع دمج المراجع المؤسسية المحكمة حصراً من جامعات وأبحاث معترف بها عالمياً، مستبعدين تماماً أي مصادر مفتوحة أو غير متخصصة.
أولاً: إشكالية التسمية والتعريف الذاتي (Exonym vs. Endonym).
تكمن المغالطة الأولى في تبني اسم "سومر" كتعريف قومي أطلقه الشعب على نفسه. بالعودة إلى السجلات المسمارية الموثقة في مبادرة المكتبة المسمارية الرقمية (CDLI) المدارة بالتعاون بين جامعات كاليفورنيا وأكسفورد ومعهد ماكس بلانك، نجد أن الاسم الذاتي (Endonym) الذي اختاره هذا الشعب ووصف به نفسه نصياً بلا تأويل هو "سَگ-گي-گا" (Sag-gi-ga)، والتي تعني "ذوو الرؤوس السود".
وتؤكد دراسة المعهد الآشوري بجامعة هايدلبرغ المنشورة بعنوان "From Sumer to Assyria: The Term ‘Black-headed People’ in Assyrian Texts" أن هذا المصطلح استمر استخدامه كلوحة دلالية ثقافية وجغرافية مرنة في النصوص الأكدية والآشورية اللاحقة بصيغة (ṣalmāt qaqqadi)، دون أي أبعاد عرقية إقصائية. أما لفظة "سومر" (Šumeru)، فهي تصنيف خارجي أكدي (Exonym) ظهر لاحقاً لتمييز بقعة جغرافية، ولم تكن يوماً اسماً اختاره العوام أو الملوك للتعبير عن هويتهم العرقية النواة.
ثانياً: غياب المصطلح في الفضاء الإقليمي المعاصر.
إذا كانت "سومر" تمثل إمبراطورية أو شعباً مستقلاً عرقياً بالمعنى الشائع، لكان لها صدى في وثائق جيرانها المعاصرين لها. إلا أن المسح الشامل للأرشيفات الدولية القديمة يثبت العكس؛ فمصطلح "سومر" أو "السومريين" لم يظهر إطلاقاً في المصادر المصرية القديمة، أو العيلامية، أو الحثية كاسم لشعب أو عرق مستقل.
وتكشف أبحاث الألقاب الملكية الصادرة عن مبادرة المكتبة المسمارية الرقمية (CDLI) أن هذا المصطلح ورد حصراً داخل النصوص الإدارية والسياسية الأكدية الداخلية كجزء من لقب سلطوي محلي مركب، مما يوضح أنه لم ينتقل كاسم علم لشعب معروف إلى الحضارات المجاورة، على عكس أسماء المجموعات العرقية الواضحة في المنطقة كالعيلاميين، مما يؤكد طبيعته الإدارية لا العرقية.
ثالثاً: تفكك "بنية أسماء الملوك" لغوياً وصرفياً.
تتحطم أسطورة "الملوك السومريين الخلّص" عند إخضاع "قائمة الملوك السومرية" (Sumerian King List) المتاحة في أرشيف متحف أشموليان بجامعة أكسفورد (Ashmolean Museum) للتحليل اللغوي والصرفي. إن فحص أقدم السلالات المفترضة بعد الطوفان (سلالة كيش الأولى) يظهر تداخلاً لغوياً أكدياً (سامياً) صريحاً في الأسماء:
ملوك مثل "إيتانا" (Etana)، "بوانوم" (Buanum)، "كالبوم" (Galbum)، و**"ماشدا" (Mashda)** ليست أسماءً عزلية، بل مشتقة من جذور لغوية أكدية واضحة.
ولحماية هذا الدليل من ثغرة "الأسماء الحيوانية الطوطمية العامة" التي قد تتشابه عبر الثقافات، فإن التحليل الصرفي (Morphological Derivation) الصادر في دراسات المعهد الشرقي بجامعة شيكاغو يثبت أن اسم "كالبوم" يتبع الاشتقاق الصرفي والقواعدي للجذر الأكدي السامي (ك-ل-ب) ويعني الكلب، واسم "ماشدا" يتبع اشتقاق الغزال في الأكدية القديمة.
ويقر المؤرخ "صامويل نوح كريمر" في دراساته المرجعية المنشورة على موسوعة تاريخ العالم (World History Encyclopedia) المحكمة، بأن هؤلاء الحكام الأوائل في السلسلة الحاكمة لكيش كانوا يحملون أسماء أكدية سامية بناءً على تركيب أسمائهم الصرفي (مع التنبيه العلمي الصارم على خلو تلك الحقب من لفظة "عربية" كونه مصطلحاً لغوياً تبلور تاريخياً في فترات لاحقة جداً لا تتداخل مع العصر المسماري المبكر).
وحتى وإن جادل ناقد بأن هؤلاء الملوك سومريون عرقياً وتسموا بأسماء أكدية كألقاب عرش (Throne Names) لاستمالة المكون الأكدي، فإن هذا الاحتمال يدعم الفرضية؛ إذ يثبت أن "الشرعية والسياسة الجغرافية" كانت هي المحرك التراكمي، وليست الأحادية العرقية.
رابعاً: عشوائية الهوية في السلالات الحاكمة وظاهرة ثنائية اللغة.
تُظهر القائمة خلطاً عشوائياً عابراً للأعراق يمنع إطلاق وصف "سومرية" على الممالك ككتلة عرقية صلبة. فنجد ملوكاً بأسماء أكدية صريحة مثل "سين-كاشيد" (Sin-kashid) يحكمون مدناً تُصنف في الأدبيات الشائعة كمعاقل سومرية مثل أوروك. وفي المقابل، نجد ملوكاً بأسماء عزلية يكتبون نصوصهم الرسمية باللغة الأكدية.
هذا التداخل، وغياب "النوع القواعدي" (Genderless) في اللغة العزلية مقابل حضور الجذور الأكدية في صلب أسر الحكم، يوضح أن التسمية كانت اختياراً ثقافياً وسياسياً مرناً ولم تكن دليلاً على نقاء جيني. ونحن هنا لا نستخدم الأسماء لتحديد ديموغرافيا الشعب بأكمله لتفادي ثغرة "حجم العينة"، بل نستخدمها حصراً لهدم ادعاء اليقين العرقي الأحادى الذي يسوقه المؤرخون الشائعون.
خامساً: المبالغات المؤسسية والاعترافات المنهجية الضمنية.
تعد المبالغات من أبرز مصادر هذه المغالطة. فقد وثّق كريمر في المطبوعات الصادرة عن جامعة شيكاغو قرابة 39 "أول" في تاريخ البشرية نسبها للسومريين، وهو تضخيم تسويقي يتغافل عن حضارات معاصرة بُنيت بمواد أقل ثباتاً كالطين والطوب فلم تصلنا آثارها الكاملة.
لكن كريمر نفسه يعود في مقدمة كتابه الصادر عن مطبعة جامعة شيكاغو ليعترف اعترافاً منهجياً حاسماً بأن "مصادر التاريخ السياسي السومري مجزأة، غامضة، وغير موثوقة في أحيان كثيرة"، وأن استنتاجاته قد تكون "خاطئة كلياً"، وهو اعتراف يسقطه التبسيط الشائع الذي يعامل فرضيات كريمر كحقائق منزّهة مطلقة.
سادساً: التباين الزمني ومشكلة التأريخ الأركيولوجي.
تنعكس الهشاشة المنهجية للمحتوى الشائع في تضارب التواريخ المرجعية لبداية هذه الحضارة عبر المؤسسات الأكاديمية. فبينما تحاول بعض السرديات دمج عصر العُبيد (6500-4000 ق.م) ضمن التاريخ السومري، يحدد متحف المتروبوليتان للفنون في نيويورك (The Met) عام 3200 ق.م كبداية فعلية لظهور الكتابة والمدينة الحقيقية في أوروك.
هذا التباين الذي يصل لألوف السنين يعكس الطبيعة الديناميكية لعلم الآثار المتجدد بالأدلة، مما يعني أن فرض خط زمني صلب وثابت تفوح منه لغة اليقين المطلق هو مغالطة علمية تفوق ما تسمح به الأدلة الأركيولوجية المتاحة على الأرض.
سابعاً: تفكك مفهوم الحضارة الموحدة سياسياً.
وفقاً للملفات الأكاديمية المتاحة عبر قاعدة بيانات إيبسكو (EBSCO) الرقمية للأبحاث المحكمة، فإن سومر "لم تكن يوماً كياناً سياسياً متماسكاً، بل كانت منطقة جغرافية تضم مدناً-دولاً مستقلة" مثل أوروك، وأور، ولكش، ونيبور. كانت كل مدينة تخضع لملك محلي وإله خاص بها، وتخوض حروباً طاحنة ضد المدن المجاورة.
إن دمج هذه الكيانات المتناحرة تحت مصطلح "الحضارة السومرية الموحدة" هو تبسيط حديث قسري، يفرض وحدة سياسية وثقافية لم تكن قائمة على أرض الواقع، تماماً كإطلاق وصف "الحضارة اليونانية" على مدن-دول متحاربة كأثينا وإسبرطة دون وجود كيان سياسي واحد، حيث تشترك في الفضاء الثقافي وتتمايز في الهوية السياسية.
ثامناً: شعب العُبيد الأسبق والغموض الأنثروبولوجي للأصول.
تثبت التنقيبات التي قادها ليونارد وولي عام 1922 في معبد إريدو، والمنشورة في تقارير معهد دراسة الثقافات القديمة بجامعة شيكاغو (ISAC)، أن السومريين ليسوا أول من استوطن الأرض. فقد سبقهم شعب العُبيد بألفي عام (منذ 6500 ق.م)، وهم البناة الحقيقيون للقرى والمعابد الضخمة ومطورو أنظمة الري والزراعة في المنطقة.
وتشير أبحاث الدراسات الأنثروبولوجية في جامعة هارفارد وقاعدة بيانات إيبسكو (EBSCO) إلى أن أصل السومريين أنفسهم وعلاقتهم الأنثروبولوجية بأي جماعة عرقية معروفة "لم يُحدّد بشكل قاطع حتى اليوم". وبالتالي، فإن نسب فضل التأسيس الحضاري كاملاً للسومريين هو قفز على الحقائق الطبقية لآثار المنطقة المتراكمة.
تاسعاً: "كِنْجي" و"إمِه-گير" مقابل التسمية الاستشراقية.
أكدت الأبحاث اللغوية المشتركة بين مشروع التدوين ETCSL بجامعة أكسفورد ومعهد دراسة العالم القديم بجامعة نيويورك NYU-ISAW، أن هذا الشعب استخدم لفظة "كِنْجي" (Ki-en-gi) لوصف أرضه (والتي تعني أرض السيد أو أرض القصب)، ولفظة "إمِه-گير" (Eme-gir) لوصف لغته.
أما مصطلح "سومر" فلم يُكتشف ويُصاغ أكاديمياً إلا في العصر الحديث على يد العالم "جول أوبرت" في 17 يناير 1869 أمام الجمعية الفرنسية للمسكوكات والآثار، بناءً على تأويل شخصي لعنوان ملكي أكدي. يعكس هذا أن الحقل بأكمله بُني ابتداءً على تسمية استشراقية حديثة أُسقطت بأثر رجعي على الماضي.
عاشراً: الجغرافية السياسية للقب "ملك سومر وأكد".
المغالطة الكبرى التي وقع فيها المؤرخون الشائعون هي التعامل مع اللقب الملكي الشهير "ملك سومر وأكد" (šar māt Šumeri u Akkadî) كتقسيم عرقي قطعي بين شعبين. توضح المطبوعات الصادرة عن معهد دراسة الثقافات القديمة بجامعة شيكاغو (ISAC) في سلسلة Studies in Ancient Oriental Civilization أن ملوك سلالة أور الثالثة (مثل أور-نمو) تبنوا هذا اللقب كإعلان سياسي بحت يعبر عن بسط السيادة الجغرافية الإدارية على "جنوب وشمال بابل السفلى".
وتدعم دراسات مكتبة CDLI لجامعة كاليفورنيا حول الألقاب الملكية هذا الطرح، مؤكدة أن "سومر وأكد" هما مفهومان جغرافيان إداريان يعبران عن وحدة الأرض السياسية عابرة الأعراق، ولا يمثلان فرزاً ديموغرافياً عرقياً.
حادي عشر: الاعتراف المؤسسي بـ "المشكلة السومرية" والتصحيح الذاتي.
تتوج الأكاديميا الرصينة نزاهتها بالاعتراف بوجود فجوات معرفية مستمرة. فقد نشر معهد دراسة الثقافات القديمة بجامعة شيكاغو (ISAC) كتاباً صريحاً للباحث هنري فرانكفورت بعنوان "علم الآثار ومشكلة السومريين"، وهو اعتراف مؤسسي مباشر بوجود معضلات غير محسومة حول توقيت دخولهم الوادي وأصولهم العرقية.
كما وثّقت المراجعات المنشورة في المجلة الفرنسية المحكمة Revue de l’histoire des religions الصادرة عن السوربون، كيف أن نظرية "جوزيف هاليفي" (الذي أنكر وجود لغة سومرية واعتبرها مجرد شفرة سرية أكدية) تحولت إلى معركة علنية وقضية علمية دامت ثلاثة عقود قبل دحضها لغوياً بناءً على قواعد النحو.
ويوثق مركز دراسات مخطوطات الثقافات CSMC بجامعة هامبورغ أن رائد الفك المسماري "هنري روولنسون" أطلق في البداية تسميات خاطئة تماماً على اللغة غير السامية مثل ("الأكدية" ثم "السكوذية")، مما يثبت أن الحقل الآثاري يعيش حالة تصحيح ذاتي مستمرة، وأن حقائقه ديناميكية متغيرة وليست قوالب عرقية صلبة مغلقة.
إن النمط المتكرر الذي كشفته هذه النقاط هو تحويل المعرفة الجزئية أو الفرضيات اللغوية المؤقتة إلى "حقائق عرقية نهائية مغلقة" في المحتوى الثقافي العام والشائع (Pop-Culture). في المقابل، فإن السجل الأكديمي الفعلي - كما تظهره وثائق شيكاغو، وأكسفورد، والمتاحف العالمية - يعترف بصراحة باستمرار الأسئلة الجوهرية المفتوحة حول الأصول العرقية ودقة السرديات الصلبة.
بناءً على التشريح اللغوي والصرفي لأسماء الملوك وطبيعة الألقاب الجغرافية، يسجل هذا البحث كسر المغالطة الشائعة: الملوكية والحضارة في وادي الرافدين القديم كانت جغرافية سياسية تراكمية عابرة للأعراق، ولم تكن يوماً ملكية عرقية نقية لشعب معزول مغلق يدعى السومريين.
تفكيك المتخيل الإغريقي: دراسة نقدية موسعة لأخطاء هيرودوت في تأريخ وجغرافية بلاد الرافدين.
تُمثّل مرويات المؤرخ الإغريقي هيرودوت (484–425 ق.م) في كتابه «التواريخ» (Histories) واحدة من أكثر الإشكاليات المنهجية تعقيداً في دراسات الشرق الأدنى القديم. فعلى الرغم من تلقيبه بـ "أبي التاريخ"، إلا أن القراءات المعاصرة القائمة على مخرجات علم الآثار والآشوريات (Assyriology) وفك رموز الخط المسماري قد كشفت عن فجوات معرفية هائلة ومبالغات طوبوغرافية وأنثروبولوجية في كتابه (Rollinger, 2017).
تتبنى هذه الدراسة منهجاً نقدياً مقارناً يقابل نص هيرودوت بالدليل الإبيغرافي (المسماري) والأركيولوجي (الميداني) الصادر عن كبرى الجامعات العالمية (أكسفورد، كامبريدج، شيكاغو، وسواس لندن)، لإثبات أن مرويات هيرودوت الرافدينية لم تكن نتاج عيان مباشر (Autopsia)، بل كانت إعادة إنتاج لـ "متخيل شرقي عتيق" صُمم ليلائم المركزية الثقافية والسياسية لليونان القديمة (Fehling, 1989).
المحور الأول: الانزلاق المفاهيمي والخلط الإثني والمفهوم الإداري.
1. المغالطة المصطلحية والمتحجرات اللغوية (Archaism).
في الكتاب الأول (الفقرة 178) والكتاب السابع (الفقرة 63)، وقع هيرودوت في خطأ تصنيفي فادح حين استخدم مسمى «الآشوريين» (Assyrioi) كأداة تعميم شاملة دمجت شعوب الشرق الأدنى (بابل، بلاد الشام، كبادوكيا) في كتلة إثنية وثقافية واحدة (Rollinger, 2017).
أثبت البروفيسور روبرت رولينغر (Robert Rollinger) من جامعة إنسبروك أن هذا التعميم يعكس جهل المنظومة الإغريقية بالتحولات الديموغرافية والسياسية الهائلة التي أعقبت سقوط نينوى عام 609 ق.م. هيرودوت استخدم اسماً قديماً علق في الذاكرة اليونانية كـ "متحجرة لغوية" واعتبر بابل مجرد "عاصمة بديلة للآشوريين"، متجاهلاً استقلالية الحضارة البابلية الحديثة (Neo-Babylonian) وخصوصيتها الإثنية (Rollinger, 2011).
2. تزييف الواقع السكاني والاندماج الآرامي.
افترض هيرودوت بقاء أمة أو شعب مستقل بهوية إثنية آشورية ناصعة ومستمرة داخل الإمبراطورية الأخمينية الفارسية.
دحضت الأبحاث الفيلولوجية الرائدة للبروفيسور سيباستيان بروك (Sebastian Brock) من جامعة أكسفورد، والبروفيسور جون جوزيف (John Joseph)، هذه المزاعم تماماً. فقد أثبتت السجلات المسمارية والألواح الآرامية المعاصرة أن النسيج السكاني لبلاد الرافدين قد مرّ بمرحلة "آرَمة" (Arameanization) لغوية وثقافية شاملة (Joseph, 2000). فاللغة الآرامية الإمبراطورية أصبحت اللسان الجامع، وذابت الهوية السياسية الآشورية القديمة في المحيط الآرامي والبابلي، وهو ما عجز هيرودوت عن رصده في تحليله الديموغرافي (Brock, 1997).
3. نقوش بيستون وتفكيك المسمى الإداري الفارسـي.
اعتمد هيرودوت في تصنيفه السكاني على خلط واضح بين المفهوم إلاثني للشعوب والمفهوم الإداري والجغرافي للولايات.
في دراستها المرجعية الموسعة The Persian Empire: A Corpus of Sources الصادرة عن دار Routledge، فككت البروفيسورة إميلي كورت (Amélie Kuhrt) من جامعة لندن (UCL) هذا الخلط. وأوضحت أن اسم Aθurā الوارد في نقش بيستون الشهير للملك داريوس الأول (والذي تُرجم يونانياً إلى الآشوريين) لم يكن يشير إلى شعب نقي عرقياً، بل كان مجرد مسمى لـ "ساتراپي" (ولاية ضريبية وجغرافية فارسية) تضم خليطاً سكانياً معقداً من البابليين، والآراميين، والميديين، واليهود (Kuhrt, 2007). وبالتالي، أخذ هيرودوت التقسيم الجغرافي الفارسـي وأسقطه خطأً كعنوان للهوية الإثنية للسكان.
المحور الثاني: الوهم التوبوغرافي والمبالغات العمرانية لمدينة بابل.
1. أسطورة المربع المثالي والأبعاد الخيالية للأسوار.
قدم هيرودوت وصفاً هندسياً لبابل يُصنف ضمن "أدب العجائب"؛ إذ زعم أن المدينة شُيدت على هيئة مربع مثالي يبلغ محيطه الإجمالي 480 غلوة (ما يعادل قرابة 88 كيلومتراً)، وأن سورها الخارجي يرتفع 50 ذراعاً ملكياً (حوالي 90 متراً) وسماكته تسمح بمرور عربتين حربيتين رباعيتي الخيول جنباً إلى جنب (Histories, I. 178).
نسفت تنقيبات الجمعية الشرقية الألمانية (DOG) بقيادة عالم الآثار الألماني روبرت كولديفاي (Robert Koldewey) في موقع بابل الأثري هذه الأرقام بشكل قاطع. أثبتت المسوحات الأثرية والمخططات الطبقية أن المحيط الفعلي لأسوار بابل المزدوجة (إيمغور-إنليل ونيميتي-إنليل) لا يتجاوز 18 كيلومتراً فقط (Koldewey, 1914). كما أن المخطط التضاريسي للمدينة غير منتظم تفرضه تعرجات مجرى نهر الفرات، وليس مربعاً هندسياً كاملاً، مما يثبت أن أرقام هيرودوت كانت مبالغات خيالية تهدف لإبهار القارئ اليوناني (George, 1992).
2. وهم "المائة بوابة برونزية" لبابل.
ذكر هيرودوت أن سور بابل كان يحتوي على مائة بوابة مصنوعة بالكامل من البرونز النقي (Histories, I. 179).
فند عالم الآثار والمؤرخ يونا لينديرينغ (Jona Lendering) هذه الفرية بالاعتماد على النصوص التوبوغرافية البابلية التي حققها البروفيسور أندرو جورج (Andrew George) من كلية الدراسات الشرقية والإفريقية (SOAS). كشفت الألواح المسمارية الرسمية (مثل لوح Tintir=Babylon) أن بابل كانت تمتلك 8 بوابات رئيسية فقط محصنة ومسماة بأسماء الآلهة (أشهرها بوابة عشتار، وبوابة مردوخ، وبوابة شاماش) (George, 1992). رقم "المائة بوابة" هو مجرد استعارة بلاغية يونانية مجازية شائعة مأخوذة من وصف الشاعر هوميروس لمدينة طيبة المصرية ذات المئة بوابة (Lendering, 2005).
3. تفنيد الهيكل الهندسي لزقورة "إيتمينانكي".
وصف هيرودوت برج بابل (زقورة إيتمينانكي) بأنه يتكون من ثمانية أبراج أو طبقات دائرية متراكبة فوق بعضها البعض بشكل حلزوني مع وجود مسار خارجي للصعود (Histories, I. 181).
أثبت البروفيسور أندرو جورج في كتابه التأسيسي Babylonian Topographical Texts أن هذا الوصف يتناقض مع الهندسة المعمارية الرافدينية الموثقة مسمارياً وأثرياً. أظهر "لوح إساقيل" التوبوغرافي أن الزقورة كانت تتكون من 7 مصاطب مربعة عمودية ذات سلالم مستقيمة (وليست حلزونية دائرية)، وتتوج بمعبد علوي (Shakhuru) (George, 1992). وصف هيرودوت يعكس عدم رؤيته للمبنى، بل صاغ الهيكل بناءً على التصورات اليونانية لشكل المنارات أو الأبراج الافتراضية.
المحور الثالث: تزييف الأنثروبولوجيا السلوكية والمنظومة الطبية والدينية.
1. فرية "البغاء المقدس" في معبد إيساجيل.
من أكثر مرويات هيرودوت إثارة للجدل هي ادعاؤه بأن كل امرأة بابلية كانت مجبرة بقوة القانون والدين على الجلوس في معبد الإله مردوخ لممارسة الجنس مع رجل غريب لمرة واحدة في حياتها مقابل عملة فضية تذهب للمعبد (Histories, I. 199).
خضعت هذه الرواية لتفنيد حاد من قِبل المؤرخ دانيال ميتشل والبروفيسور أندرو جورج. أثبتت آلاف الألواح المسمارية القانونية والطقسية وعقود الزواج البابلية المكتشفة أن هذه الفرية ليس لها أي أساس في الواقع التشريعي البابلي (George, 2000). الوظائف النسائية داخل المعبد كانت حكراً على طبقة النخبة من الكاهنات العاليات (مثل كاهنات الـ Entu والـ Nadiātu) اللواتي يندرجن من الأسرة الملكية ويخضعن لشروط عفة وشرَف صارمة جداً يُعاقب المخل بها حرقاً بالنار طبقاً لقانون حمورابي (المادتين 110 و127). واعتبر العلماء أن هذه القصة هي "أدب استشراقي قديم" اختلقه هيرودوت لتصوير الشرق كفضاء للغرابة الأخلاقية والشهوانية لتعزيز الشعور بالتفوق الأخلاقي اليوناني (Fehling, 1989).
2. فرية "انعدام الأطباء" وعلاج المرضى في الشوارع.
زعم هيرودوت أن البابليين لم تكن لديهم مهنة الطب أو أطباء متخصصون، بل كانوا يضعون المرضى في الساحات العامة والشوارع، لكي يأتي عابرو السبيل ويقدموا لهم النصائح الطبية بناءً على تجاربهم الشخصية السابقة (Histories, I. 197).
وصف البروفيسور بول كارتليدج (Paul Cartledge) من جامعة كامبريدج هذه الرواية بأنها دليل قاطع على عدم معرفة هيرودوت التامة ببنية المجتمع البابلي (Cartledge, 2002). فقد كشفت النصوص الطبية المسمارية (مثل دليل التشخيص الطبي البابلي Sakikkū) عن وجود نظام طبي معقد ومتطور للغاية في بابل ينقسم إلى فئتين محترفتين: طائفة الـ Asû (الأطباء التجريبيون والجراحون الذين يصفون الأدوية والعقاقير ويهتمون بغسل الجروح) وطائفة الـ Āšipu (المعالجون الذين يربطون التشخيص بالطقوس النفسية والدينية) (Oppenheim, 1977). وكان لديهم معاهد لتعليم الطب وسجلات سريرية مدونة، مما يجعل رواية هيرودوت مجرد حكاية شعبية ساذجة التقطها من الهوامش.
3. أسطورة الملكتين "سميراميس" و"نيتوكريس".
نسب هيرودوت أعظم المشاريع الهندسية وتحويل مجرى نهر الفرات وبناء التحصينات المائية في بابل إلى ملكتين حكمتا المدينة: سميراميس (Semiramis) ونيتوكريس (Nitocris) (Histories, I. 184-185).
أثبتت دراسات معهد المشرق بجامعة شيكاغو (Oriental Institute) المنشورة في كتاب Ancient Mesopotamia للبروفيسور ليوبولد أوبنهايم (A. Leo Oppenheim)، أن هذه الأسماء بصيغتها وتأريخها عند هيرودوت هي شخصيات ميثولوجية إغريقية مشوهة عن أصول شرقية (أوبنهايم، 1977). فاسم سميراميس هو تشويه للملكة الآشورية "سامورامات" التي عاشت قبل زمن بابل الحديثة بقرون ولم تحكم بابل إطلاقاً، أما نيتوكريس فهي ملكة وهمية لم يرد ذكرها في أي نص مسمارٍ بابلي. النقوش المسمارية الرسمية تنسب مشاريع الري العظمى وتحويل مجرى الفرات وبناء السدود بالتفصيل إلى ملوك رجال معروفين مثل نبوخذ نصر الثاني والملك نبونيد (Oppenheim, 1977).
4. شهادات مؤرخي العصور الكلاسيكية ضد هيرودوت.
لم تكن الشكوك حول هيرودوت وليدة العصر الحديث؛ بل واجهه مؤرخو الإغريق أنفسهم بالرفض:
كتسياس الكنيدي (Ctesias) - القرن 4 ق.م: طبيب الملك الفارسـي أردشير الثاني وعاش في البلاط الملكي وفي بابل لسنوات. كتب كتابه Persica خصيصاً لتكذيب هيرودوت، وأكد صراحة أن هيرودوت لم يطأ أرض بابل، وأن كتاباته عبارة عن حكايات بحارة مشوهة وتلفيقات لخدمة الألعاب الأولمبية (Ctesias, Trans. 2011).
المؤرخ بلوتارخ (Plutarch): كتب رسالته الشهيرة "عن خباثة هيرودوت" (On the Malice of Herodotus)، اتهمه فيها بتزييف حقائق حضارات الشرق عمداً لإظهار اليونانيين بمظهر المتفوق ثقافياً وأخلاقياً.
المحور الرابع: دليل الغياب القاطع وإغفال المعالم العظمى لبابل.
من أقوى الأدلة التي يستند إليها علماء الآشوريات لإثبات عدم زيارة هيرودوت لبابل هو "دليل الغياب الصامت" (Argument from Silence). فبينما أفاض المؤرخ في كتابة صفحات طويلة عن تفاصيل طينية صغيرة وقصص غرائبية، فإنه أغفل تماماً ذكر أكبر وأعظم الرموز العمرانية التي كانت تملأ بابل في عصره:
الحدائق المعلقة: أثبتت البروفيسورة ستيفاني دالي (Stephanie Dalley) من جامعة أكسفورد أن هيرودوت في وصفه الشامل لعجائب بابل لم يشر من قريب أو بعيد إلى "الحدائق المعلقة" (Dalley, 2013). غياب هذا المعلم الشهير عالمياً عن نص "أبي التاريخ" يُعد دليلاً قاطعاً على غيابه المادي عن المدينة واعتماده على مراجع سماعية ناقصة.
بوابة عشتار الشهيرة وشارع الموكب: لم يذكر هيرودوت بوابة عشتار الإعجازية المغطاة بالآجر الأزرق المصقول والحيوانات الخرافية البارزة (التنانين والثيران)، ولم يذكر "شارع الموكب" المحاط بـ 120 أسداً من السيراميك، وهي المعالم الأضخم التي تبهر أي زائر للمدينة صغر شأنه أو كبر (Koldewey, 1914).
توصِل هذه الدراسة النقديّة الشاملة إلى استنتاج أكاديمي حاسم: كتابات هيرودوت حول بلاد الرافدين وبابل لا يمكن التعامل معها كمصدر تأريخي أو جغرافي موثوق للحقائق. إن "بابل هيرودوت" هي بابل متخيلة، شُيدت في مخيلة الثقافة الإغريقية لتكون "الآخر" (The Other) المقابل للهوية اليونانية؛ حيث تُضخم الأبعاد المعمارية وتُشوه الممارسات السلوكية والمنظومة الطبية والسياسية لخدمة التلقي الأدبي الكلاسيكي. إن الموثوقية التاريخية الحقيقية لبلاد النهرين تظل محصورة في الألواح المسمارية المكتشفة في باطن الأرض واللقى الأركيولوجية التي حررت تاريخ بلاد الرافدين من أوهام الرواة الكلاسيكيين.
الرابط: https://tinyurl.com/3e2sn255
جذور الملاحة المبكرة: دحض أسبقية الآشوريين في فنون التجديف عبر الأدلة الأثرية والأكاديمية.
تنسب بعض القراءات العامة أحياناً ابتكار وتأسيس فنون الملاحة والتجديف إلى الإمبراطورية الآشورية وحدها. ولضبط هذه المسألة بمنهجية علمية دقيقة، يجب التفريق بوضوح بين الإمبراطورية الآشورية ككيان سياسي وازن ظهر في النصف الأخير من الألفية الثانية وبداية الألفية الأولى قبل الميلاد، وبين التاريخ البشري الأوسع للملاحة عبر العصور. تشهد المعطيات الأثرية المادية والأبحاث الأكاديمية المحكّمة بأن حركة الملاحة البحرية والنهرية وممارسة التجديف المنظم كانت شائعة ومعروفة في عدة مراكز حضارية كبرى قبل قيام الدولة الآشورية بقرون وألفيات عديدة، مما ينفي عنها صفة الابتكار الأول أو الحصري.
1. جذور الملاحة في بلاد الرافدين المبكرة (عصر عبيد والاكتشافات النهرية).
على الصعيد الجغرافي المحلي لبلاد الرافدين نفسها، تثبت الشواهد الأثرية أن أسلاف المنطقة الأوائل لم ينتظروا ظهور الدولة الآشورية ليمارسوا الملاحة؛ إذ تشير الاكتشافات والأبحاث المرتبطة بعصر عبيد ومجتمعات الألفيات السابقة إلى استخدام القوارب المصنوعة من القصب والمغطاة بمادة القار لتسيير الأنشطة النهرية في حوض الرافدين. وتتعزز هذه الأدلة بالاكتشافات الأثرية الحديثة (مثل تقارير البعثات الأثرية التي وثقها موقع Biblical Archaeology Society حول قارب أوروك المكتشف بسياق يعود لنحو 4,000 سنة) (biblicalarchaeology.org/daily/archaeology-today/mesopotamian_boat). تؤكد هذه البنى المادية أن البيئة الرافدية ذاتها عرفت النقل المائي والتجديف قبل صعود الآشوريين بألفيات، مما يجعل نسبة الابتكار الأول للإمبراطورية الآشورية طرحاً مجافياً للواقع الأثري لجغرافيتها المبكرة.
2. الأدلة المادية المباشرة من وادي النيل.
تقدم الآثار المصرية القديمة شواهد مادية معتبرة تؤكد عمق أقدمية التجديف قبل الظهور التاريخي للإمبراطورية الآشورية. يبرز نموذج القارب المزود بالمجاذيف اليدوية والمحفوظ ضمن مجموعة المتحف البريطاني تحت رقم التسجيل (EA45089) كشاهد مادي موثق بدقة متحفية رسمية (britishmuseum.org/collection/object/Y_EA45089). وتؤكد القراءات السياقية لهذه النماذج أن هياكل النقل المائي والمجاذيف لم تكن مجرد رموز تعبيرية أو جنائزية بحتة، بل مثلت ركيزة أساسية في البنية الاقتصادية واللوجستية للحضارة المصرية قبل الألفيات التي شهدت صعود الآشوريين، وهو ما يبرهن على أن تسخير المجذاف يمثل تقنية بشرية متقدمة ومستقرة تاريخياً خارج النطاق الآشوري تماماً.
3. النشاط البحري المبكر في حوض إيجة والكيكلادس.
تدلل التوثيقات الأثرية والمتحفية الرسمية على أن حوض بحر إيجة شهد ازدهاراً ملاحياً وتجارياً مبكراً. تعرض الصفحة الرسمية للمتحف الأثري الوطني اليوناني تحت عنوان (Dominating the Sea) تفاصيل ومعطيات دقيقة حول مظاهر الملاحة والتفاعل البحري المبكر المرتبط بالآثار الإيغية (namuseum.gr/en/monthly_artefact/dominating-the-sea). وفي ذات السياق المرتبط بالنقاشات الأكاديمية حول تفسير الأدوات الإيغية المبكرة، تشير الدراسة المرجعية الأصلية المنشورة في مجلة American Journal of Archaeology: Coleman, J. E. (1985). “Frying Pans” of the Early Bronze Age Aegean. American Journal of Archaeology, 89(2), 191-219. إلى جانب الأبحاث الحديثة عبر دور النشر الأكاديمية مثل Archaeometry التابعة لدار نشر Wiley والتي تؤكد وجود نقاش علمي مستمر حول الدلالات الدقيقة لتلك القطع، يتبين أن شبكات التواصل البحري والإبحار في عصور البرونز المبكر كانت واسعة الانتشار ومدروسة أكاديمياً بعمق، بمعزل عن أي حصر للريادة في الحضارة الآشورية المتأخرة.
4. الإجماع الأكاديمي المحكّم عبر دراسات كامبريدج.
يأتي فصل الكتاب المحكّم والصادر عن دار نشر جامعة كامبريدج تحت عنوان (Ships and Boats of the Aegean Bronze Age) ضمن سياق شبكات التجارة الميسينية ليُمثل الركيزة الأكاديمية الأمتن في هذا السياق، إذ يخضع لعمليات تقييم ومراجعة دقيقة من قبل محكّمين متخصصين من غير انحياز (cambridge.org/core/books/maritime-networks-in-the-mycenaean-world/ships-and-boats-of-the-aegean-bronze-age). يتناول هذا الفصل تفاصيل تطور التصاميم الهندسية للسفن وتقنيات الدفع والتجديف وشبكات الملاحة المعقدة في حوض إيجة طوال عصر البرونز، مؤكداً أن الملاحة البحرية المتقدمة ظهرت كنتيجة لتطور حضاري إقليمي واسع النطاق في المتوسط بأسره قبل ظهور الإمبراطورية الآشورية بزمن مديد.
استناداً إلى المعطيات الأثرية لبلاد الرافدين المبكرة، والتمييز المنهجي الدقيق عن تاريخ الإمبراطورية الآشورية المتأخرة، وبالاستناد حصراً إلى المصادر الموثوقة:
موقع المتحف الأثري الوطني اليوناني (namuseum.gr/en/monthly_artefact/dominating-the-sea) والدراسة المرجعية لجون كولمان في مجلة American Journal of Archaeology (1985).
يتضح بصورة راجحة الثقل أن الآشوريين لم يكونوا بحال من الأحوال أول من مارس التجديف أو ابتكر آليات الملاحة، فقد سبقتهم إلى ذلك بقرون وألفيات طويلة مجتمعات جغرافيتهم المحلية في عصر عبيد، إلى جانب الحضارة المصرية القديمة ومجتمعات بحر إيجة والكيكلادس بأدلة أثرية معتبرة، مع بقاء بعض تفاصيل التفسير الأثري الدقيق محل نقاش أكاديمي مستمر.
تفكيك الهوية البصرية للزي الآشوري الحديث (الخومالا) دراسة مقارنة بين الجذور الأثرية، التوثيق الأنثروبولوجي، واقتباسات المحيط الجغرافي.
1. مشكلة الدراسة (Research Problem).
تكمن مشكلة الدراسة في وجود فجوة معرفية والتباس بصري شاسع بين ما يُعرف اليوم بـ “الزي الآشوري الحديث” (الخومالا) المزود بالريش الملون والأقمشة المصنعة، وبين الأزياء التاريخية الحقيقية الموثقة عبر العصور. تهدف هذه الدراسة إلى تتبع التطور المورفولوجي (الشكلي) للزي عبر ثلاثة خطوط زمنية (الأثري القديم، القرن التاسع عشر، والقرن العشرين) لتحديد كيف تم اقتباس وإعادة ابتكار هذا الزي فلكلورياً وسياسياً.
2. الفرضيات (Hypotheses).
الفرضية الأولى: الزي الآشوري الحديث ليس امتداداً مادياً مباشراً للزي اليومي للمجتمعات المحلية في القرن التاسع عشر، بل هو توليفة تم ابتكارها وتجميعها وإعادة إنتاجها عبر أجيال الشتات المتعاقبة في القرن العشرين.
الفرضية الثانية: الزوائد البارزة في الخوذ الآشورية القديمة لم تكن ريشاً طبيعياً، بل زوائد وقطع برونزية وحديدية حربية تمت ترجمتها بصرياً بشكل خاطئ في العصر الحديث على أنها ريش.
الفرضية الثالثة: التصميم الهيكلي الخارجي (القصّات والأبعاد) للزي الحديث يتشابه بشكل بنيوي مع أزياء الشعوب الجبلية المجاورة (الأكراد والأرمن) نتيجة التبادل الإقليمي المشترك في الصناعة التقليدية المستمرة.
3. الإطار المنهجي (Methodological Framework).
تعتمد هذه الدراسة على المنهج الوصفي التحليلي المقارن لتقييم الهندسة البصرية والخطوط العريضة للثياب عبر معايير مورفولوجية محددة تشمل: زوايا قص القماش، نظام الطبقات المتعددة (Layering)، وتوزيع حجم الكتل النسيجية بين الجزء العلوي والسفلي من الجسد. كما توظف الدراسة التحليل اللغوي المقارن للمصطلحات المرتبطة بالملابس في المنطقة.
وتجدر الإشارة منهجياً إلى أن التشابه في الألفاظ (مثل استخدام مصطلح “شروال” أو “شوروالا”) لا يعكس بالضرورة اقتباساً أحادياً حصرياً، بل يمثل حقل مفردات مشترك تداولته الألسن إقليمياً عبر اللغات الفارسية، الكردية، والعثمانية، وهو ما يفرض الحذر من مغالطة الخلط بين التشابه اللفظي الإقليمي العام والاقتباس المباشر المحدود.
4. حدود الدراسة والرأي الآخر (Scope & Counter-Discourse).
تعتمد هذه الورقة على قراءة الزي الفلكلوري كحالة تفاعلية مفتوحة لا كحقيقة ثابتة. تشير دراسة أكاديمية حديثة في الإثنوموسيقى والتاريخ الثقافي (Younan, 2023) إلى أن الرقصات والأزياء الفلكلورية الآشورية المعاصرة، بما فيها “الخومالا”، هي نتاج بناء هوياتي جماعي متكرر عبر أجيال الشتات إثر الصدمة الجماعية والتهجير، وليست ممارسة أحادية الاتجاه أو ثابتة زمنياً. هذا الإطار يمنع الدراسة من الوقوع في مغالطة اعتبار “الأصالة” و”الحداثة” ثنائية متضادة، ويعزز قراءة الزي كعملية بناء مستمرة بدل اختراع أحادي في لحظة تاريخية واحدة.
الفصل الأول: الزي الآشوري الأثري القديم (عهد الإمبراطورية).
في عهد الإمبراطورية الآشورية (القرن التاسع إلى السابع قبل الميلاد)، عكست الملابس التراتبية العسكرية والملكية الصارمة:
التصميم الأساسي: اعتمد اللباس على “التونك” الداخلي المستقيم يعلوه شال خارجي ضخم يلتف بشكل مائل حول الجسد، محاطاً بأهداب متدلية (Fringes) تعكس الرفعة الاجتماعية ومكانة مرتديها في القصور (Layard, 1849؛ Layard, 1853).
حقيقة “الريشة” في الخوذ القديمة: توضح المنحوتات الجدارية الأصلية لخوذ النبلاء والحرّاس وعازفي الموسيقى الملكيين أن الأشكال المتراصة البارزة لم تكن ريشاً طبيعياً على الإطلاق، بل كانت أعرافاً حديدية وبرونزية صلبة (Crests) وزوائد حربية مصممة هندسياً لحرف ضربات السيوف والسهام عن الرأس وحماية منطقة الرقبة (Reade, 1983؛ Layard, 1849). وتثبت الأدلة أن ترجمة هذه الزوائد إلى ريش ملون كانت قراءة فنية معاصرة مغلوطة تمت في القرن العشرين.
الفصل الثاني: الزي في عيون الرحالة والمستشرقين والمبشرين (القرن 19).
يوثق الرحالة والمستشرقون والمبشرون الأمريكيون في القرن التاسع عشر اللباس اليومي الفعلي للعشائر المسيحية الجبلية وسكان منطقة حكاري وسهول أورميا:
طبيعة اللباس العملي: ارتدى سكان الجبال سترات صوفية طويلة ومفتوحة، وسراويل واسعة، وأحزمة قماشية عريضة لحماية الظهر وتسهيل العمل والحرث والتسلق في الثلوج (Badger, 1852).
خلو الملابس من الزينة والريش: كان غطاء الرأس الرجالي عبارة عن قبعات مخروطية من اللباد الأبيض السادة (كولا) تخلو تماماً من أي ريش أو ألوان فاقعة (Bird, 1891). كما ارتدت النساء فساتين قطنية داكنة وطويلة مع أوشحة سميكة تلتف حول الرأس والرقبة للتدفئة، كما توثقه بدقة الصور الفوتوغرافية الميدانية النادرة التي التقطتها لويز ويلبر شيد (Louise Wilbur Shedd)، زوجة المبشر الأمريكي وليام أمبروز شيد، لعائلات الاشوريين الجدد وأرمنية ويهودية في منطقة أورميا قبيل الحرب العالمية الأولى (Shedd Family Papers, Presbyterian Historical Society).
ألمواد والتصنيع: اعتمدت الملابس على الصوف المحلي وشعر الماعز الخشن، وصبغت بمواد نباتية طبيعية، وغابت عنها كلياً رموز المتاحف (كاللاماسو) والكتابات المسمارية التي كانت لا تزال مطمورة تحت الأرض في تلك الحقبة.
الفصل الثالث: ولادة الزي الحديث (الخومالا) وتفكيك عناصر الريشة والرموز.
تاريخ دخول “الريشة” عسكرياً (1920–1955): لم تظهر الريشة في الفولكلور التقليدي إلا بعد تأسيس “جيش الليفي الآشوري” (Assyrian Levies) تحت إدارة سلاح الجو الملكي البريطاني في العراق (Stafford, 1935). اعتمدت كتائب الليفي قبعات الحقل الفضفاضة (Slouch Hat) مع إدخال ريش استعراضي ملوّن. توثق دراسة أكاديمية حديثة في الإثنوموسيقى (Younan, 2023) هذا الرابط بصرياً عبر صور أرشيفية لجنود الليفي الآشوري وهم يرقصون في معسكر الحبانية، مما يؤكد أن الفضاء الاستعراضي العسكري البريطاني كان نقطة التقاء مباشرة بين الزي العسكري والرقص الفلكلوري المدني، قبل انتقال رمزية الريشة إلى القبعات المدنية بعد حل القوة تدريجياً في منتصف الخمسينيات.
الظهور الفعلي للزي بأقمشته الحالية: توثق دراسة Younan (2023) أن الزي المعاصر المعروف بـ”ǧúle d-ḥomāle” (ثوب الاحتفال) أصبح مرتبطاً بفرق الرقص والاستعراض في شتات الآشوريين الجدد، حيث تُلبس بدلاته الكاملة (القبعات المخروطية، الأوشحة المزينة بالريش، الأزياء المخملية) في سياقات احتفالية جماعية معاصرة تهدف لبناء هوية وطنية تخيلية جامعة عبر أجيال الشتات المتعاقبة، لا كاستمرار مباشر للباس القروي التقليدي.
حياكة الرموز القومية والعلم المعاصر: صُمم علم آشور الحديث من قبل الفنان جورج بيت أتانوس (من طهران) بتكليف من الاتحاد الآشوري العالمي (AUA) الذي تأسس عام 1968، واعتُمد رسمياً عام 1974 خلال المؤتمر السادس للاتحاد المنعقد في مدينة يونكرز بولاية نيويورك (Educational Archive Foundation, 2000/2021). إثر ذلك، أدرج المصممون ألوان العلم ورموز المتاحف المكتشفة كالثور المجنح (اللاماسو) مباشرة في حياكة الملابس الحديثة كبيان تعبيري عن الهوية.
الفصل الرابع: أزياء شعوب الاقتباس والتحليل الصناعي الزمني.
لتصميم الرجالي وعلاقته بزي الجبال: السروال الفضفاض المنفوخ والسترة القصيرة المحدودة عند الخصر تتوازى بشكل كامل مع زي “الشال وشبيك” (Şel û Şepik) التقليدي السائد في حكاري وبهدينان. دراسة ميدانية أكاديمية محكّمة (مجلة SDÜ Art-e التركية المحكّمة) وثّقت هذا الزي بالتفصيل التقني:
يتكون من قطعتين، “شال” (السروال) و”شبيك” (القميص)، مصنوعتين تقليدياً من خيوط التيفتيك المنسوجة على “النول الحفرة” الخشبي، بألوان طبيعية، وتعود أقدم عينة موثقة ميدانياً إلى ما يقارب عام 1875م (Öztürk, 2021).
التصميم النسائي والأنماط الإقليمية: نظام الطبقات المتعددة المكون من المعطف المخملي الطويل المفتوح من الصدر لإبراز الثوب الداخلي، يتقاطع مع طراز فساتين “التاراز” (Taraz) الأرمني التقليدي.
دراسة أكاديمية محكّمة نُشرت في مجلة “Art and Design” الأوكرانية (جامعة كييف الوطنية للتكنولوجيا والتصميم) حلّلت تفصيلياً مجموعة الزي النسائي الأرمني من نهاية القرن السابع عشر حتى بداية القرن العشرين، موثّقةً نظام الطبقات المتعددة، والمآزر الأمامية، والتطريز الطقسي بحسب الأقاليم والحالة الاجتماعية (Ostapenko et al., 2022).
الأقدمية الصناعية والتقنية: يُعد نمط “الشال وشبيك” أقدم صناعياً وتوثيقياً كملبس عمل يومي مستمر، مرتبطاً بالإنتاج المنزلي على النول الخشبي حتى مطلع القرن الحادي والعشرين (Öztürk, 2021). كذلك يُعد “التاراز” الأرمني موثقاً أكاديمياً لقرون سابقة على ظهور الخومالا الحديثة (Ostapenko et al., 2022). أما الزي الفلكلوري الحديث فهو نسيج وتجميع لاحق تم في القرن العشرين بالاعتماد على خامات ومصانع حديثة، مطعماً بـ”الريشة” المستحدثة ورموز الآثار التاريخية، وهو ما توثقه أيضاً دراسة Younan (2023) بصفته أداة بناء هوياتي جماعي في سياق الشتات لا استمراراً مادياً مباشراً.
إثبات البناء الفلكلوري المعاصر: خلص البحث إلى أن زي الآشورين الجدد الحديث (الخومالا) هو نسخة فنية مستحدثة تم بناؤها وإعادة إنتاجها عبر أجيال الشتات المتعاقبة كأداة لبناء هوية جماعية تخيلية (Younan, 2023)، وليست امتداداً مادياً مباشراً للباس اليومي البسيط لسكان القرى في القرن التاسع عشر كما وثّقته الصور والملاحظات الميدانية المعاصرة لتلك الحقبة (Badger, 1852؛ Bird, 1891؛ Shedd Family Papers).
تصحيح مسار رمزية الريشة: تبين أن الخوذ والمنحوتات الأثرية القديمة احتوت على أعراف حديدية وواقيات برونزية صلبة لحماية المقاتل (Layard, 1849؛ Reade, 1983)، وأن “الريشة الطبيعية” دخلت الهوية البصرية للاشوريين الجدد عبر قبعات الحقل العسكرية لجيش الليفي الآشوري (Stafford, 1935؛ Younan, 2023) قبل أن تُدمج قومياً مع القبعات المدنية المخروطية.
التشابه الهيكلي وأقدمية أدوات الإنتاج: ثبت أن القصّات الهندسية للزي الرجالي الحديث تتداخل بشكل موثق أكاديمياً وميدانياً مع طراز “الشال وشبيك” الجبلي (Öztürk, 2021)، وأن القصّات النسائية تتداخل مع طراز “التاراز” الأرمني الموثق أكاديمياً (Ostapenko et al., 2022)، وأن كلا الطرازين يمتلكان أسبقية توثيقية سابقة لنشوء التصميم الاستعراضي الحديث المعتمد على الأقمشة الكيميائية والعلم المعتمد رسمياً عام 1974.
قائمة المراجع (References) - نظام APA 7.
Badger, G. P. (1852). The Nestorians and their rituals: With the narrative of a mission to Mesopotamia and Coordistan in 1842-1844. Joseph Masters.
Bird, I. L. (1891). Journeys in Persia and Kurdistan. John Murray.
Educational Archive Foundation. (2000, updated 2021). The origins and description of the Assyrian flag. Atour.com Assyrian Educational Archive.
Layard, A. H. (1849). The monuments of Nineveh: From drawings made on the spot. John Murray.
Layard, A. H. (1853). Discoveries in the ruins of Nineveh and Babylon. John Murray.
Ostapenko, N. V., Yakovlev, M. I., Lutsker, T. V., Simak, A. I., & Amiryan, A. S. (2022). Ethnic female costume set: Origins, constructive and compositional. Art and Design, (4), 107–120. https://doi.org/10.30857/2617-0272.2021.4.10
Öztürk, İ. (2021). Hakkâri’de tespit edilen Şel Şepik örneklerinin teknik ve desen özelliklerinin incelenmesi [Analysis of technical and pattern properties of the samples of Şel Şepik detected in Hakkâri]. SDÜ Art-e Güzel Sanatlar Fakültesi Sanat Dergisi, 14(27), 512–529.
Reade, J. (1983). Assyrian sculpture. British Museum Publications.
Shedd Family Papers (Louise Wilbur Shedd photograph collection). Presbyterian Historical Society / Bancroft Library, University of California, Berkeley.
Stafford, R. S. (1935). The tragedy of the Assyrians. George Allen & Unwin.
Younan, N. (2019). Stateless rhythms, transnational steps: Embodying the Assyrian nation through sheikhani song and dance. Revue Européenne des Migrations Internationales, 35(3–4), 41–62. https://doi.org/10.4000/remi.13344
Younan, N. (2023). Shaking the ground: Intersections of cultural trauma, collective memory, and resilience in Assyrian popular music and dance [Doctoral dissertation, University of Toronto]. TSpace Repository.
الرابط: https://tinyurl.com/3jz3tpxd
أور الكلدان أم السومريين؟
بين الإدعاءات الباطلة والحقائق التاريخية الدامغة
يؤكد الكتاب المقدس بأن لا نعول على النية والقصد حسب، وإنما على الأفعال التي لا جدال عليها، لذلك يوضح الكتاب بأن: “مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ.” (مت 7: 16). فمثلما تدل أعمال البر على الطيبين والأبرار، هكذا تدل على الشرير شروره، ومثلما تدل على العالمِ علومه، هكذا تفضح الجاهل جهالته!
من المؤسف حقاً أن يثير البعض بين حين وآخر تساؤلات يبدو ظاهرها بريئاً، مع أنها في الواقع لا علاقة لها لا بالموضوع المطروح ولا بالمنطق العلمي أو التوجه الأكاديمي، وإنما هدفها (حصراً) هو الإساءة لمصداقية شرعية الكلدان (سكان العراق الأصليين) وإلغائهم من معادلة مكونات الوطن الأم، وذلك من خلال إرباك العامة بإستخدام تعابير ومصطلحات لا يعرف الغالب الأعم ممن يطلعون عليها، بأنه رغم تداول هذه المصطلحات منذ عقود إلا أنها لا تمثل إلا حلولاً مؤقتة، وبأنها ماتزال قيد النقاش بين المتخصصين وعرضة للتبديل في الوقت المناسب، ولعل خير مثال على عدم دقة العديد من المصطلحات الأكاديمية، مصطلح (علم الآشوريات) الذي عارضه منذ البداية العلامة فرتز هوميل، هذا المصطلح المغلوط على الرغم من إستخدامه وشيوعه، إلا هنالك قيد الإستعمال العديد من البدائل الأقل شيوعاً، مثل علم السومريات (كريمر 1944م) وعلم (لرافديات 1988م (عامر حنا فتوحي)، وهنالك بدائل أخرى تم شرحها في الفديو الوثائقي التعليمي المرفق أدناه (حقيقة مصطلح (علم الآشوريات):
للأسف، ما يزال البعض ممن لا يميزون فداحة عدم معرفتهم بالتاريخ الرافدي وبخاصة من لا يلِمون بعلم الآثار، فيجرأون عن جهل أو تجاهل الإساءة للكلدان لأسباب لا مجال هنا للخوض فيها. أحد هؤلاء الموهومين بشرعية وعراقة أصله العربي، حاول مؤخراً الإنتقاص من تاريخ الكلدان وأصالتهم الرافدية، فقمتُ بتصحيح مغالطاته وتلقينه ما يجهله عن أصل المستعربة الذي يمكن تشبيهه بحصاة في فلاة!
أنظر الرابط أدناه: الكلدان 5300 ق.م – حتى اليوم، أصالة رافدية في مواجهة إدعاءات المحتلين المستعربة.
منذ شلوتزر، الذي أشاع تسمية (الساميون) عام 1781م وأﭘيرت الذي أبتكر تسمية (السومريون) عام 1869م، تم إغراق المؤسسات التعليمية وسوق الكتاب ووسائل الإعلام (تلفزيون وسينما) وصولاً لعصر تكنولوجيا الإتصالات بملايين الدراسات والمقالات والأفلام التي تجير للسومريين دونما مسوغ جميع المنجزات الرافدية التي حققها الكلدان الأوائل (ﭘروتوكلدي) منذ الألف السادس قبل الميلاد.
الأنكى قيام البعض بحجة الأمانة العلمية بالتجاوز قصداً على الكتاب المقدس، أو التشكيك ببعض تفاصيله لدوافع مختلفة، منها ما طرحه أحدهم مؤخراً مدعياً، بأن أور لم تكن كلدانية وإنما سومرية!
علماً بأن هذا الطرح ليس بجديد، حيث بدأه في ثلاثينات القرن الماضي أحد المنقبين العاملين في فريق سير ليونارد وولي المدعو سايرس إتش. ﮔوردون الذي أقترح موقع أورفا القريب من حاران متصوراً بأن حاران هيّ أور الكلدان التي يذكرها الكتاب المقدس، وذلك لتصوره بأن اللغة الوحيدة المستخدمة في أور هيّ السومرية وأن السومريين بحسب تصوره هم أقدم المستوطنين في أور، لذلك لاتصلح أور أن تكون هيّ أور الكلدان التي يذكرها الكتاب المقدس! وهذا ما فندته المكتشفات الآثارية اللاحقة، مثلما فندت تصوره الساذج الذي يعتمد التقارب اللغوي حسب، متجاهلاً بأن تسمية أرفا/ أوروهوي هيّ تسمية لاحقة لتسمية أوديسا التي أطلقها الرومان على المدينة، وأن تأسيس مدينة أوديسا أصلاً، كان خلال عهد الملك السلوقي نيكاتور الأول في حدود 303 ق.م، بينما الأسم الكلداني اللاحق أورهوي (نبع الماء الفياض) قد أعتمد في عهد تأسيس مملكة أوشروين 132 ق.م – 244م ، أي بعد أبينا أبراهيم بما يقرب من 1800 عام، وهو ما يدعوني لإهمال هذا الإدعاء الساذج الذي تدحضه الوقائع التاريخية والمكتشفات الآثارية!
لذلك أكتفي هنا بتسليط الضوء على موضوع أكاديمي غاية في الأهمية، وهو (من هم السومريون) و(هل أن أور الكلدان، كانت حاضرة كلدانية أم سومرية؟)، وذلك لأن البعض من غير المختصين والمؤرخين التقليديين يدعون بأن (أور الكلدان) لم تكن كلدانية وإنما سومرية.
لذلك حري بنا قبل أن نناقش مسألة كلدانية أم سومرية أور، فنتفق مع هذا الرأي أو نفند ذاك، وفقاً للضوابط والمعايير العلمية، أن نلم برؤية واضحة عن (أور) و(الكلدان)، من أجل أن تكون مناقشتنا منصفة وشاملة.
أور أركيولوجياً وتاريخياً
من المعلوم أن مدينة أور قد تأسست في العصر الكلاسيكي لفترة العبيد، بينما يحدد بعض الآثاريين بأنها قد تأسست في العصر البطولي، بين 3800 و3500 ق.م، مع ذلك تؤكد المكتشفات التاريخية بأن أور مثل كل المدن في جنوب ووسط العراق القديم التي توصف بكونها سومرية (وفقاً لما هو شائع) بين العامة، قد أسسها في الواقع شعب غير سومري (أنا هنا أستخدم عبارة شعب سومري) إلتزاما بما هو مستخدم من معلومات متداولة، (مع أن هذا الإستخدام لا يمثل قناعتي).
من المعروف أن أسم أور يتألف من مقطعين (شش) بمعنى أخ أو أخت و(أونو) بمعنى بحر أو زرقة، يضاف لهما المقطع (كي) الذي يدل على (مدينة)، والمقطع الأخير، هو مقطع ﭘروتوكلدي قديم يرجع إلى فترة العبيد الكلاسيكية، لكنه تبادل عبر العصور في الإستخدام مع المقطعين (أورو) و(مات)، اللذان يدلان على الأرض أو البلاد، كما أنه يشبه في الإستخدام مع الكلمة (قلاما/ كلاما) الدالة على الإقليم.
جدير بالذكر، أن المكتشفات الآثارية والمدونات التاريخية تؤكد بكل وضوح وجلاء تواجد اﻟﭘروتوكلديين (الساميين بحسب شلوتزر) منذ عصر العُبيد في حدود 5300 ق.م، علماً بأن فترة العبيد المبكرة تمتد من 6500 إلى 5300 ق.م. حيث تؤكد المصادر التاريخية تواجد ااﻟﭘروتوكلديين في أور وأوروك وأريدو والذين يسميهم لاندزبيرﮔر (الفراتيون الأوائل)، وهيّ تسمية (جغرافية/طبوغرافية). علماً بأن أور قد بدأت بالتشكل كمستوطنة حضارية متميزة في فترة العبيد المسماة (عصر أريدو)، أي قبل إزدهار ما تسمى بالثقافة السومرية، بمعدل فارق زمني كبير يقرب من 2500 عام!
كما تؤكد القبور المكتشفة في أور والمشابهة ثقافياً لما تم إكتشافه في كيش السامية (بحسب شلوتزر)، وبأن معظم هذه القبور تعود إلى فترة جمدة نصر وعصر أولى دويلات المدن التي تتضمن عصر ميشالم ملك كيش الكلدي 2650 -2600 ق.م (بحسب) موسوعة البابلونكا التي يسميها طه باقر (كلدونيكا).
حول أسبقية الساميين (اﻟﭘروتوكلديين) يؤكد أيضاً الآثاري الشهير سيتون لويد الذي عمل لسنين طويلة في المتحف العراقي بأن الساميين قد توجدوا قبل السومريين في العراق القديم، وذلك في كتابه الشهير، (آثار وادي الرافدين)، وهو ما توصل إليه هنري فرانكفورت في كتابه الشهير (مولد الحضارة في الشرق الأدنى)، ويتفق معهما ديلاﭘورت، حيث يؤكد بأن الساميين (شلوتزر) أقدم من السومريين (أوﭘيرت).
من المثير أيضاً، أن تسميات ملوك سلالات أور تضمنت خليطاً من الأسماء الأكدية والسومرية، وفي كثير من الأحيان أكدية خالصة (ﭘروتوكلدية)! كما في أسم الملك الأول مس كلام دوﮒ (بطل الإقليم)ـ وأسم ﭘو-آبي (حكمة أبي) وآخر ثلاثة ملوك في سلالة أور الثالثة 2112 – 2004 قبل الميلاد.
من الملفت للنظر أيضاً أن أول تأسيس عمراني في أور، كان في العهود اﻟﭘروتوكلدية القديمة التي تسبق ما تسمى بفترة الثقافة السومرية (مرة أخرى، أستخدم هنا التعابير الشائعة)، كما أن آخر تحديث عمراني لمدينة (أور) كان على يد الملكين البابليين نبوخذنصر الثاني والملك نبونائيد، (الكلدانيين)، كما أن العديد من المباني القديمة تعود للفترة الأكدية (ﭘروتوكلدية)، مثل معبد ﮔيك ﭘﺎركو أو اﻟﮕﻲ ﭘﺎرو المخصص لسكن الكاهنة العليا ومساعداتها، حيث أعاد أعماره الملك عمار سِن ومن ثم جعله الملك نبونائيد ديراً لأبنته بيل شالتي ننار (كلدانية وأسمها سومري)، وكذلك مباني فترة سلالة بابل الثانية (سلالة القطر البحري الكلدانية) القريبة تاريخياً من عصر أبينا أبراهيم الكلداني، ومن بين أهم تلك المباني الكلدية معبد ﻨﻨﮕﺎل (السيدة العظيمة)، زوجة الإله القمر (ننار/ سِن) إله الحكمة، الذي أعيد بنائه في عهد الملك الكلداني نبونائيد، ناهيكم عن معبد الميناء من عهد الملك نبوخذ نصر الثاني، ولعل من أهم المكتشفات في أور، (لوح الحروف الهجائية) الذي أكتشفه السير ليونارد وولي في معبد أي-نن-ماخ (الربة المهابة) الذي يحتوي على (الألف باء الكلداني) من عهد الملك نبوخذنصر الثاني وهو أصل حروف (الإسطرنجيلي والمدنحا والمعروا) التي نستخدمها اليوم.
حول هذه الحروف الكلدانية أنظر ص 340 من كتاب كالدين ﻟﻴﮕﺎسي، أنظر أيضاً دراسة ويليم إف. ألبرايت،
مما يؤكد تواصل اﻟﭘروتوكلديين في أور منذ عصر العبيد الوسيط، حتى أختفاء أور من المشهد الرافدي في حدود القرن الخامس ق.م جراء تغير مسار نهر الفرات، وهذا ما يؤكده الأستاذ طه باقر. يؤكد هذا أيضاً الباحث الأمريكي ألبرخت ﮔوتزة: “أن هنالك دولة مدينة كبيرة من الساميين (اﻟﭘروتوكلديين) كان مركزها في ﻟﮕش أثناء عصر فجر السلالات الثاني 2800-2600 ق.م.”
كما يؤكد أنطون مورﺗﮕﺎت التوأمة الثقافية لمدينتي أور وﻟﮕش على النحو التالي: “يتضح ان هناك تشابها في النواحي الفنية والحضارية بين سلالة ﻟﮕش الثانية في عهد ﮔوديا وسلالة اور الثالثة في عهد اور – نمو في نحت التماثيل والملابس، وكذلك التشابه في بعض التفاصيل في مسلة اور – نمو مقارنة مع تماثيل ﮔوديا، اذ ان الالهة في المسلتين تظهر كأنهما صنعتا بيد نحات واحد، حيث شمل التشابه شكل الشعر وطيات الملابس. ان هذا التشابه في اسلوب النحت لكل من المسلتين يشير الى تقارب الحقبة الزمنية بين السلالتين، كما ان هناك قطعا من تمثال شوﻟﮕﻲ ووالده أور- نمو عثرت عليها البعثات التنقيبية، حيث يبدو هذا التمثال مشابهاً لتمثال (اور- ﻨﻨﮕرسو) بن ﮔوديا، لاسيما في تفاصيل الاجزاء العارية من الجسم.
أخيراً يوضح الآثاري سبيزر في كتابه الشهير (الأصول الرافدية)” لا يمكن أن يمثل السومريون أقدم سكان العراق، لأن هنالك مدناً ترجع إلى عصور أقدم تحمل أسماءً غير سومرية”، وهو ما يؤكده بينو لاندزبيرﮔر الذي أتعض من تجربة كريمر فتحاشى أن يطلق على هؤلاء الأوائل تسمية قومية مثل (اﻟﭘروتوكلديين)، فأطلق عليهم تسمية طبوغرافية (الفراتيون الأوائل).
وعن أور (تحديداً وحصراً)، يقول السير ليونارد وولي”أن تواجد الساميين كان قبل نزوح السومريين إلى هذه المنطقة -أور-“، وهو ما يؤكده الأستاذ طه باقر في أكثر من موقع من كتابه الشهير (مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة)، لاسيما النص المقتبس من كريمر والمنشور في مجلة الآثار الأمريكية لسنة 1948.
يتبين مما أوردت من مجموع عشرات بل مئات الإفادات التي أدلى بها الآثاريون والمؤرخون، بأن مدينة أور قد تم تاسيسها في فترة العُبيد من قِبل سكان محليون غير سومريين، يسميهم شلوتزر وكريمر وسبيزر وكوتزة وهاندكوك وجاكوبسن والعشرات من كبار الآثاريين الأجانب ساميين، فيما يسميهم لاندزبيرﮔر فراتيون أوائل، مثلما أسميهم منذ كتابي لعام 1988م (أور الكلدان رؤية عراقية) ﭘروتوكلديين الذي يتم تداوله منذ تسعينات القرن الماضي.
وفق ذات السياق الذي سار عليه ملوك المدن الرافدية الجنوبية منذ عصر ما قبل الطوفان، فقد دأب الملوك منذ فترة إزدهار الثقافة السومرية في حدود 2900 ق.م على حمل تسميات خليطة، كما تسمى أفراد العائلة الواحدة بتسميات زاوجت ما بين السامية والسومرية، إذ لم تكن أوروحدها من حمل ملوكها تسميات (سامية وسومرية) بل كان ذلك سياقاً متداولاً، بدليل أن أوروك ثاني أكبر مدن وادي الرافدين، ومدينة (البطل الشهير ﮔﻟﮕﺎمش) التي تتألف من مدينتين هما (أي-أنا) التي جاءت منها ثاني السلالات التي حكمت بعد الطوفان، حيث كان أسماء ملوكها خليطاً من الساميين والسومريين، و(قولابا/كولابا) مسقط رأس ﮔﻟﮕﺎمش، التي أتحدت مع (أي-أنا) في عهد حكم سلالة أوروك الثانية، أشتهرت هيّ الأخرى بتسمياتها المزدوجة.
وهذا ما أتسمت به أيضاً سلالة أوروك الثالثة، حيث حمل ملوكها أسماءً مختلطة بل أن أسم والد مؤسس السلالة البطل لوﮔﺎل زاﮔيزي كان ﭘروتوكلدياً (سامياً) هو (بوبو)، وقد تواصل خليط الأسماء هذا حتى أختفاء أوروك من المشهد الرافدي بعد الغزو الإسلامي في القرن السابع للميلاد.
جدير بالذكر أن الملك الشمس نبوخذنصر الثاني هو من مواليد مدينة أوروك، حيث كان جده الذي يحمل ذات الأسم نبيلاً معروفاً في أوروك، وكان الملك نبوبلاصر من أشهر أمراء مدينة أوروك وبطلها الذي لا يضاهى.
الخلاصة: أن مؤسسو أور ومدينتها المجاورة ﻟﮕش كانتا تتحدان أحياناً وتتنازعان أحياناً أخرى على السيادة، ناهيكم عن توأم أور الشهيرة كيش، التي كانت مقر أول سلالة ﭘروتوكلدية (سامية) تحكم بعد الطوفان. كما أن وأوروك وإيشن وغيرها من مدن وسط وجنوب الرافدين ديلمون/ تيلمون (تيلما-جرة الماء) وقطرا (مذبح النذور أو الصخرة الكبيرة) باللغة الكلدانية، إنما يؤكد دونما جدال، بأن أور مجاوراتها من دويلات المدن الجنوبية لم تكن سومرية، كما يدعي من يتبنون مصطلح أوﭘيرت عن السومريين. هذه الحقيقة، (عدم سومرية المدن الجنوبية) هيّ ما تمثل حجر زاوية هذه الدراسة.
بعد أن بينت بأن أور وفقاً للمكتشفات الآثارية والمدونات التاريخية كانت مدينة بقلب ﭘروتوكلدي (سامي) وغلالة رقيقة ظاهرها ثقافة سومرية- سامية مزدوجة ، لاسيما في عهد إزدهار الثقافة السومرية الأول 2900-2650 ق.م، ومن ثم في عهد الإنبثاق الثاني 2112 – 2004 ق.م، فأن من الجدير بالذكر أيضاً، الإشارة إلى أن بلاد ما بين النهرين هي أرض الفردوس الأول (جنة عدن) بدلالات الكتاب المقدس (“وكان نهر يخرج من عدن ليسقي الجنة، ومن هناك ينقسم فيصير أربعة رؤوس. أسم الواحد فيشون.. وأسم النهر الثاني جيحون… وأسم النهر الثالث حداقل (إدﮔنا بمعنى نهر دجلة) … والنهر الرابع الفرات” – تك 10:2-14). ولو بحثنا في تسمية (جنة عدن) لوجدنا جذرها اﻟﭘروتوكلدي واضحاً، حيث أن أصل جنة هو الكلمة اﻟﭘروتوكلدية ﮔونّا وهيّ تماماً ما نستخدمه في اللغة كلدانية اليوم، أما كلمة عدن فتتألف من مقطعين، هما (عِد) اﻟﭘروتوكلدية الدالة على الأنهار، وبطبيعة الحال (حيث تكون الأنهار تزدهر الحقول)، أما المقطع الثاني (إن) فيعني (الرب)، فتكون ترجمة عبارة جنة عدن (جنة الرب الخضراء). للمزيد حول هذا الموضوع أنظر كتاب (يهود بابل – ماضياً وحاضراً) ص 12-15.
ترى ما هو رأي الكتاب المقدس في أور وأهلها؟
يؤكد الكتاب المقدس بكل وضوح وجلاء، بخاصة في سفر التكوين على حقيقة وجود الكلدان وقدميتهم في وادي الرافدين من خلال كم من الآيات الصريحة والواضحة منها:
في سفر التكوين” 8وَكُوشُ وَلَدَ نِمْرُودَ الَّذِي ابْتَدَأَ يَكُونُ جَبَّارًا فِي الأَرْضِ، 9 الَّذِي كَانَ جَبَّارَ صَيْدٍ أَمَامَ الرَّبِّ. لِذلِكَ يُقَالُ: «كَنِمْرُودَ جَبَّارُ صَيْدٍ أَمَامَ الرَّبِّ». 10 وَكَانَ ابْتِدَاءُ مَمْلَكَتِهِ بَابِلَ وَأَرَكَ وَأَكَّدَ وَكَلْنَةَ، فِي أَرْضِ شِنْعَارَ. 11 مِنْ تِلْكَ الأَرْضِ خَرَجَ أَشُّورُ وَبَنَى نِينَوَى وَرَحُوبُوتَ عَيْرَ وَكَالَحَ 12 وَرَسَنَ، بَيْنَ نِينَوَى وَكَالَحَ، هِيَ الْمَدِينَةُ الْكَبِيرَةُ. ” تك 10: 8 – 12، وكذلك الأصحاح 11 :28 – 31 , 15 : 7
28 ومَاتَ هَارَانُ قَبْلَ تَارَحَ ابِيهِ فِي ارْضِ مِيلادِهِ فِي اورِ الْكِلْدَانِيِّينَ. 31 وَاخَذَ تَارَحُ ابْرَامَ ابْنَهُ وَلُوطا بْنَ هَارَانَ ابْنَ ابْنِهِ وَسَارَايَ كَنَّتَهُ امْرَاةَ ابْرَامَ ابْنِهِ فَخَرَجُوا مَعا مِنْ اورِ الْكِلْدَانِيِّينَ لِيَذْهَبُوا الَى ارْضِ كَنْعَانَ. فَاتُوا الَى حَارَانَ وَاقَامُوا هُنَاكَ. 7 وَقَالَ لَهُ: «انَا الرَّبُّ الَّذِي اخْرَجَكَ مِنْ اورِ الْكِلْدَانِيِّينَ لِيُعْطِيَكَ هَذِهِ الارْضَ لِتَرِثَهَا.”
وفي سفر أشعيا 6 : 13 “الأصحاح 13: وَتَصِيرُ بَابِلُ بَهَاءُ الْمَمَالِكِ وَزِينَةُ فَخْرِ الْكِلْدَانِيِّينَ …” .
وفي سفر أرميا المتعلق بالكلدان 5 : 15 “هَأَنَذَا أَجْلِبُ عَلَيْكُمْ أُمَّةً مِنْ بُعْدٍ يَا بَيْتَ إِسْرَائِيلَ، يَقُولُ الرَّبُّ. أُمَّةً قَوِيَّةً. أُمَّةً مُنْذُ الْقَدِيمِ.
وفي سفر أعمال الرسل 7: 4 “فَخَرَجَ حِينَئِذٍ مِنْ أَرْضِ الْكَلْدَانِيِّينَ وَسَكَنَ فِي حَارَانَ. وَمِنْ هُنَاكَ نَقَلَهُ، بَعْدَ مَا مَاتَ أَبُوهُ، إِلَى هَذِهِ الأَرْضِ الَّتِي أَنْتُمُ الآنَ سَاكِنُونَ فِيهَا.”
كما جاء في أعمال الرسل 8: 4 ومن خطبة لأسطفانس أن ” ابراهيم طعن في السن في أرض الكلدان وذهب ليسكن في حران”.
يتضح وفقاً للتراث اللغوي الرافدي ونبوءات إرميا النبي في كتاب العهد القديم بإن الكلدان (قومياً) أمة منذ القدم “(أمة قوية عريقة .. إر 15:5)، وأمة لا تقهر: إرميا 7 : 24 (إن حاربتم الكلدانيون لا تنجحون)”.
وفي سفر حبقوق، العهد القديم تتعزز هذه الحقيقة الكتابية بكل وضوح وجلاء كما في الآيات 6-8 من الأصحاح الأول: “6 – فَهأَنَذَا مُقِيمٌ الْكَلْدَانِيِّينَ الأُمَّةَ الْمُرَّةَ الْقَاحِمَةَ السَّالِكَةَ فِي رِحَابِ الأَرْضِ لِتَمْلِكَ مَسَاكِنَ لَيْسَتْ لَهَا . 7- هِيَ هَائِلَةٌ وَمَخُوفَةٌ. مِنْ قِبَلِ نَفْسِهَا يَخْرُجُ حُكْمُهَا وَجَلاَلُهَا. 8- وَخَيْلُهَا أَسْرَعُ مِنَ النُّمُورِ، وَأَحَدُّ مِنْ ذِئَابِ الْمَسَاءِ. وَفُرْسَانُهَا يَنْتَشِرُونَ وَفُرْسَانُهَا يَأْتُونَ مِنْ بَعِيدٍ، وَيَطِيرُونَ كَالنَّسْرِ الْمُسْرِعِ إِلَى الأَكْلِ.
هذه الشهادات الكتابية التي هيّ غيث من فيض تأكدت آثارياً عندما كشفت المدونات الرافدية بأن ما يعرف اليوم بالخليج الفارسي – العربي، أو خليج البصرة (من بصرياثا الكلدانية)، كان يسمى قبل عصر الأمبراطورية البابلية الكلدانية أو كما تُعرف بسلالة بابل الحادية عشر بألف عام ويزيد بأسم: تام – تي – شا- مات – كلدي بمعنى (بحر الكلدان) وبالكلدانية المعاصرة (يم دكلدايي).
الدليل العلمي الآخر، هو أن أول حضارة إنسانية أزدهرت في وادي الرافدين قبل الطوفان نشأت في مدينة أريدو (توأم بابل) على يد أسلاف الكلدان الفراتيين الأوائل (ﭙروتوكلدي) وفقاً لجداول أثبات الملوك، بينما نشأت في بابل وفقاً لبيروسس في موسوعته الشهيرة بابلونيكا، ولعل مبرر هذا الإزدواج التاريخي، إنما يعود إلى أن كلتا المدينتين حملتا ذات الأسم (نون-كي) بمعنى (موطن الحياة)، كما أن أسم الحارة المقدسة في بابل كان (أريدو)!
حري بالذكر أيضاً، تأكيد المدونات التاريخية بأن اﻟﭘروتوكلديين قد أنتشروا شمالاً إلى نينوى بمفهومها الجغرافي الواسع وجنوباً حتى أقاصي بحر الكلدان منذ فترة العبيد، بدليل أن تسمية نينوى مستمدة من مدينة نينا التي أزدهرت في عهد فجر السلالات، والتي هيّ جارة ﻟﮕش وأور.
كما أن أول سلالة حكمت وادي الرافدين بعد الطوفان العظيم، كانت سلالة كيش اﻟﭘروتوكلدية التي بينتُ عمق توأمتها الثقافية مع مدينتي أور وﻟﮕش في قسم (أور أركيولوجياً وتاريخياً)، ناهيكم عن أن الملك ميشالم كان أول ملك ﭘروتوكلدي يحمل لقب ملك كيش أي ملك العالم، وهو اللقب الذي أستخدمته جميع السلالات اللاحقة سامية وسومرية!
أور ومكانة اللغة الكلدانية
إستناداً إلى تعريفات ميريام-ويبستر وقاموس ويبستر لعام 1828، تُعَرَّف اللغة الكلدانية أو (الكلدية) بأنها لغة سامية قديمة، كما أن المعتقدات التاريخية (غالباً ما تُشير إليها في مناقشات القواميس القديمة) بأن (اللغة الكلدانية) بمعنى (اﻟﭘروتوكلدية) هي اللغة الأصلية للبشرية!
بهذا الصدد، سادت بعض النظريات في القرن التاسع عشر (ربما بتأثير سفر التكوين) بأن اللغة الكلدانية كانت اللغة التي تحدث بها الإنسان في جنة عدن. يؤكد ذلك أيضاً د. سوسة في ص 37 وأيضاً ص 565 من كتابه الموسوعي (تاريخ حضارة وادي الرافدين)، موضحاً بأن الكتابة الصورية (السامية وفقاً لشلوتزر) قد أكتشفت في كيش السامية منذ الألف الخامس قبل الميلاد وبأنها هيّ أصل الكتابة المسمارية التي نسبت للسومريين. مما يثبتُ بأن سلالات أور، منذ سلالتها الأولى كانت سلالة ﭘروتوكلدية تنوعت أسماء ملوكها وملكاتها وأميراتها بين السومرية والأكدية وكلتاهما تسميتان مناطقية تم إشتقاقهما من ضاحية شومر في نيبور وأكد عاصمة سرﮔون، أما عرقياً فأنهم يرجعون ﻟﻟﭘروتوكلديين أي (الكلدان الأوائل).
وهذا ما قمتُ بشرحه مفصلاً في العديد من كتبي ودراساتي المنشورة منذ عام 1988م، مؤكداً بأن ساميي فترة العبيد هم من اﻟﭘروتوكلديين، بناءَ على الدلالات اللغوية والمكتشفات الآثارية، مما دفعني لأن أستعرض نتائج بحوثي المكثفة في دراستي الموسومة (كيف يحسب الكلدان تقويمهم القومي 5300 – حتى اليوم)، حيث بينتُ وبما لا يقبل الشك تواجد الكلدان (اﻟﭘروتوكلديين) في عاصمتي الكلدان التاريخيتين (التوأم) أريدو وبابل منذ الألف السادس ق.م. أي فترة العبيد. لقراءة متعمقة والإطلاع على تفاصيل الأثباتات المادية الثمانية التي تضمنتها الدراسة الموسومة (كيف يحسب الكلدان تقويمهم القومي؟)، أنظر الرابط أدناه:
الكتابة الرافدية من الصورية إلى المسمارية
يؤكد الكثير من الآثاريين أمثال وولي وباقر ولويد وسبينزر ولاندزبيرﮔر ومورﺗﮕﺎت وروو وأوتس وهومل وحتى كريمر، بأن الكتابة المسمارية هيّ أبنة الكتابة الصورية التي ترجع إلى فترة سحيقة في القدم، مما يجعل أكثر المروجين لفكرة أن الكتابة هيّ إبتكار سومري يفكرون أكثر من مرة قبل تجييرها لشعب لم يكن إلا في زمن يتراوح ما بين 3500 إلى 2900 قبل الميلاد (بحسب قناعة مدرسة أوﭘيرت)، بمعنى أن هنالك فارق زمني هائل يقرب من خمسة آلاف عام بين حضور اﻟﭘروتوكلديين التاريخي الذين أزدهرت ثقافتهم ما بين سامراء (شومرا) وكيش وبين من أطلق عليهم أوﭘيرت تسمية السومريين بناءً على الألواح المسمارية المكتشفة في أور من عصر سلالة أور الثالثة 2112 – 2004 قبل الميلاد.
تطورت الكتابة المسمارية من نظام الكتابة الصورية في الألف الرابع قبل الميلاد، حيث أستخدمت هذه الكتابة لحفظ السجلات الاقتصادية والتبادل التجاري الذي يشمل بيع وشراء القطعان والحبوب، إلى نظام كتابة مجرد ومبسط عبر مراحل زمنية طويلة أمتدت من أواخر الألف الرابع قبل الميلاد حتى القرن الأول الميلادي. في البداية، كانت الصور تُرسم على الحجر (كيش) والطين (أوروك) بأداة مدببة، ثم تطورت لتصبح علامات على شكل مسامير تُصنع بواسطة قلم من القصب، وذلك لتسريع الكتابة وتبسيطها.
أتاح نظام الرموز (منذ الألف التاسع حتى الرابع قبل الميلاد)، إبتداءً بحبات قطع السبح (السبحة) المحززة إلى إستخدام قطع صغيرة من الحجر والطين بأشكال مجسمة (ثلاثية الأبعاد) وترسم عليها علامات تبين كمية البضاعة أو عدد رؤوس الحيوانات، تسمى (كلي توكنس)، من أجل ضبط كمية البضائع والتبادل التجاري، وكانت هذه القطع (كلي توكنس) في العادة تغلف بمغلفات طينية (مجففة أو مفخورة) تحتوي على نبذة مختصرة لما هو موجود داخل المغلف وأحياناً دون كتابة.
عندما بدأ الرافديون بالإنتقال من الأشكال المجسمة إلى رسم صور واضحة ومفصلة (كتابة تصويرية) للأشياء مثل الحبوب أو الأغنام على الحجارة وألواح الطين، ما بين منتصف الألف الخامس ومنتصف الألف الرابع قبل الميلاد، (4500 -3500 ق.م)، كان الهدف محدداً بالتسجيلات الإقتصادية، أي الأملاك والقطعان والمواد المخزونة، علاوة على بعض المعاملات الحسابية غير المعقدة. وكانت هذه العلامات الصورية تكتب عمودياً من الأعلى إلى أسفل ومن اليسار إلى اليمين، ويستطيع أي شخص يعرف معنى هذه الرموز أن يقرأها ويفهمها بلغته، ذلك أن الصور هيّ لغة عالمية لا تنتمي إلى قوم أو شعب محدد، ذلك أن صورة (سمكة، طير، ثور، شجرة) يفهمها البابلي والإغريقي والهندي الأحمر دون عناء.
لكن في حدود العام 3000 قبل الميلاد، أي مرحلة الإنتقال من الثقافة السامية الرافدية إلى فترة إزدهار الثقافة السومرية الأول (بحسب مقترح أوﭘيرت)، بدأ الكتبة بتدوير الكتابة التصويرية بمقدار 90 درجة وتبسيطها إلى خطوط مجردة مستقيمة وسهلة الرسم مع الحفاظ على كتابتها من اليسار إلى اليمين. في تلك المرحلة كانت الكتابة ما تزال تحتوي على بعض الرموز المستخدمة من عصر الكتابة الصورية، مما جعل الكتابة إلى حد ما مزيجاً من النظامين الصوري والمسماري.
أما القلم المسماري الذي ترسخ حضوره منذ عهد ميشالم ملك كيش، فقد أعتمد على الخطوط المستقيمة بدلاً من رسم الخطوط المنحنية، كما أستخدم الكتبة قلم القصب ذو الطرف المثلث للضغط بعلامات مسمارية على الطين، مما أدى إلى تسمية الكتابة بـ “المسمارية” (من الكلمة اللاتينية cuneus وتعني “مسمار”)، وذلك كما أسلفت في عهد ميشالم السامي ملك كيش (اﻟﭘروتوكلدي)، حيث أصبحت العلامة المنفذة بالقلم المسماري أكثر عملياً، لاسيما بعد توجه الكتبة إبان فترة توحيد دويلات المدن إلى التأكيد على تقليص عدد العلامات المسمارية من ما يقرب من ألفين علامة (2000) إلى ما بين ستمائة وأربعمائة (600 -400) علامة في مرحلة السلالة البابلية الأخيرة وما بعد سيطرة الأخمينيين النهائي عام 482 قبل الميلاد، مما جعل الكتابة المسمارية أكثر طوعية وأسهل فهماً.
جدير بالذكر أن الكتابة المسمارية مرت بمرحلة تطورية أساسية أخرى تمثلت في الإنتقال من الرموز التصويرية (لوﮔوﮔرامك) إلى الرموز الصوتية، حيث أنتقلت الرموز من تمثيل محاكاة أصل الأشياء فقط (صور/ رموز تصويرية) إلى تمثيل الأصوات (مقاطع صوتية/فونتك)، مما أتاح كتابة المفاهيم المجردة والمشاعر. حيث مكن هذا التحول الخطير الكتبة في جميع أنحاء بلاد ما بين النهرين للإنتقال من تسجيل واردات وموجودات المعبد والمخازن، إلى التعبير عن المشاعر وكتابة الأدب والقوانين والتاريخ.
المهم هنا، أننا بتنا نعرف بأن الكتابة قد بدأت قبل العهد المنسوب للسومريين وأنها تواصلت بإستخدام القلمين الأكدي والسومري حتى بعد إنقراض السومريين (المفترضين) بأكثر من ألفي عام!
مرة أخرى، بدأت الكتابة رافدية سامية (ﭘروتوكلدية) وأنتهت رافدية سامية (ﭘروتوكلدية).
لإستيعاب الموضوع بشكل أفضل، يمكنكم الإطلاع على جدول تطور القلم الرافدي من الصورة إلى المقطع والحرف الهجائي، وذلك من خلال مراجعة الجدول المنشور على الصفحة 340 من كتاب كالدين ﻟﻴﮕﺎسي.
جدير بالذكر، أنه منذ أكتشاف حجر بهستون أو (نقش بيستون) على يد الضابط البريطاني هنري رولينصون، الذي يعود نقشه تاريخياً إلى عام 520 ق.م تقريباً ومن ثم فك رموزه بشكل علمي دقيق في الفترة ما بين 1835 و1847، واجه المختصون معضلة حل الرموز المسمارية التي حملها الحجر بثلاث لغات هيّ الفارسية الأخمينية والعيلامية الحديثة والبابلية (التي كانت اللغة الدبلوماسية للشرق القديم آنذاك). حيث تمكن علماء الرافديات من ترجمتها، علماً بأنه في عام 1621م أستنسخ الرحالة ﭘيترو ديلا فالي خمسة مقاطع من كتابات ﭘرسي ﭘولس من المراحل البابلية الحديثة التي ساعدتنا على فهم أكبر للقلم المسماري الرافدي.
في عام 1877 أُكتشِفت نصوصاً مسمارية غير معروفة في تلو/ ﻟﮕش التي شغلت معظم تاريخها سلالة ﭘروتوكلدية! حيث يؤكد بهذا الصدد الباحث الأمريكي ألبرخت ﮔوتزة “أن هنالك دولة مدينة كبيرة من الساميين كان مركزها في ﻟﮕش أثناء عصر فجر السلالات الثاني 2800-2600 ق.م.”
لكن ما ساعدنا على فهم تلك الكتابة المسمارية الغامضة هيّ مجموعة القواميس الثنائية التي كانت مكتوبة بحسب مفاهيم ذلك الزمان بالبابلية مرفقة بهذه الكتابة المجهولة.
أجتهد فريقان الأول بقيادة جوزيف هاليفي والآخر بقيادة جوليوس أوﭘيرت من أجل إيجاد تسمية ملائمة لهذه الكتابة الجديدة بالنسبة لهم، فتم تسميتها أول الأمرمن قبل رولنصن وهنكس بأسم اللغة الأكدية لأن الجداول المكتشفة في آشور كانت بابلية الأصل، ومن ثم أطلق عليها هنكس تسمية اللغة السكيثية، لكن بعد أن تبين عدم علاقتها بالسيكثين، أقترح جوليوس أوﭘيرت عام 1869 تسميتها بأسم اللغة السومرية، وذلك في محاضرة ألقاها في الجمعية الملكية للمسكوكات، موضحاً أنه طالما كانت اللغة البابلية وفرعها الآشوري مشابهين للأكدية، (اللغة الأولى المكتشفة في المعاجم الثنائية)، فأن من المقبول إعتبار اللغة الجديدة سومرية، وذلك بناء على عبارة يتضمنها لوح مسماري ترد فيه تسمية (ملك سومر وأكد). برغم ذلك، يؤكد د. نائل حنون بأنه كان من الأصح أستخدام تسمية (الكتابة السومرية) وليس اللغة السومرية.
حري بالذكر، أن تلك المعاجم الثنائية القلم (البابلية) التي أكتشفت في نينوى، كان جلها منهوبات من بابل في عهدي سنحاريب وحفيده آشوربانيبال. ولأن تلك الكتابات قد أكتشف في شمال الرافدين دفع المؤرخين لأن يقترحوا إطلاق تسميات إختيارية مختلفة على هذه الكتابة من (سيثية) و(طورانية) إلى (أكدية)، حتى أستقر المقام بهذه الكتابة المجهولة أن تصير آخر الأمر كتابة (سومرية).
أن ما دعا أوﭘيرت لأن يقترح تسمية (سومرية) لهذه الكتابة المجهلة وبالتالي تعميم هذه التسمية لتكون تعريفاً بالقدماء الذين أبتكروها، الذين تم تسمية كتابتهم بالسومرية، هو تصور أوﭘيرت، لأن الأتفاق قد تم على تسمية الكتابة (سومرية)، فلا بد وأن تكون هنالك لغة مبتكريها (سومرية) أيضاً، وبالتالي، لأن هنالك كتابة ولغة (سومرية)، لا بد وأن يكون هنالك شعب (سومري) يتحدث بها!
لذلك أطلق أوﭘيرت على تلك اللغة وذلك الشعب الوهمي تسمية (السومريين)، بناء على تحليله الشخصي المجرد حسب، وذلك أثناء محاضرة ألقاها عام 1869م في الجمعية الفرنسية للمسكوكات والآثار، حيث شرح أوﭘيرت سبب إختياره لأسم (السومرية) تعريفاً بتلك الكتابة، بناءً على وجود لوح أكدي يحمل لقب ملك سومر وأكد.
وهذا يشبه تماماً ما فعله شلوتزر عام 1781م عندما أشاع تسمية (الساميين) و(اللغات السامية)، برغم وجود العديد من الهنات في مقترحه، الذي تم دعمه حتى صار اليوم واقعاً معترفاً به.
الخطوة الأخرى كانت في ترسيخ مغالطة تسمية (سومر) التاريخية، التي تتمثل في مبادرة صامويل نوح كريمر في أربعينات القرن الماضي، حيث ألف العديد من الكتب، نسب فيها كل منجزات الرافديين القدماء (اﻟﭘروتوكلديين)، منذ عصر العبيد وصولاً إلى العصر البابلي القديم للشعب (السومري) الخرافي الذي أخترعه جوليوس أوﭘيرت وفريقه عام 1869م!
من البديهي، أن مقترح أوﭘيرت قد واجه معارضة عنيفة حتى أواخر القرن التاسع عشر، قادها فريق (جوزيف هاليفي) الذي أعترض على تسمية (السومرية ) و(السومريين)، حيث برر فريق هاليفي رفضهم لإعتماد أوﭘيرت لتسمية (السومريين)، لأنها تعتمد على مجرد وجود نص مسماري حسب، ترد فيه عبارة (ملك سومر وأكد)، وهيّ تسمية قد تكون (مجازية )، لأنها تربط ما بين الجانب المادي، أي أرض الملك الفعلية (البلاد/ أكد) وبين الجانب الروحي، حيث كانت شومر ضاحية ﻨﻴﭘور التي ترمز للقداسة والأزلية. كما عارض فريق هاليفي مصطلح (سومر) للدلالة على وجود (لغة وشعب)، كما كان في مقدمة المعترضين أيضاً على محاولات كريمر لتجيير الحضارة الرافدية للسومريين المزعومين ،عالم الآثار الأمريكي اﻟﭘولندي الأصل أﮔنس جاي ﮔيلب والمجري أنتوان ديفد في بحثه المنشور عام 1945 في مجلة الآثار الشرقية في بودابست، وكان مبرر هؤلاء الآثاريين الرصينين هو أن مثل هذا الشعب الخرافي (السومريون) لم يرد ذكره على الإطلاق في التسجيلات الخاصة بهذه اللغة!
الإعتراض الآخر كان، أن وجود كتابة لا يدل بالحتم على وجود (لغة) أو (شعب). وهو منطق تسنده الأدلة العلمية، بدليل وجود العديد من اللغات العلاماتية، أي (رموز وعلامات) عصرية لم تستخدم من قبل شعب ما كلغة حوار يومية، لعل خير مثال على ذلك، لغة (شفرة المورس) التي تكتب وتفهم أما عن طريق (النقطة والشارحة) أو(بالنقر أو التقطيع الضوئي)، وأيضاً لغة ترقيم الدجتال العالمية بإستخدام كود (صفر واحد) في برامج الكومبيوتر.
من المفيد أيضاً، الإشارة إلى أنه كان معروفاً بين المختصين، إمكانية وجود كتابة (عملية) عبر العصور من دون الحاجة إلى وجود شعب قومي يتحدث بها، على سبيل المثال (لغة الإشارات، وإستخدام الدخان والنار، والحصا) عند الشعوب البدائية، كما أن هنالك العديد من المؤسسات الحديثة التي عمدت إلى إبتكار (لغة لا شعب لها) لسبب أولآخر. أذكر أنني عندما كنت في مرحلة الدراسة المتوسطة عملتُ على (إبتكار لغة تواصل بدائية) بإستخدام حروف خاصة تستند للأشكال الهندسية (المثلث والمربع والدائرة)، وذلك من أجل أستخدامها مع فريقي الكشفي المدرسي كلغة سرية للتواصل فيما بيننا!
بعيداً عن محاولتي البدائية في فترة الفتوة تلك، فأن هنالك العديد من الممارسات الناضجة في العصر الحديث التي تؤكد إمكانية (وجود لغة دون شعب)، ومن أهم هذه الممارسات على صعيد ناضج وشبه مكتمل وشائع، إعتماد عدد من مخرجي الأفلام ومسلسلات الخيال العلمي –SciFi– على لغويين من أجل إبتكار لغات مبتكرة لفضائيين مُتخيلين يعيشون في كواكب مأهولة وشعوب وهمية تعيش في عوالم فنتازية على سبيل المثال: لغة الكلينغون –Klingon– التي أبتكرت عام 1979م من أجل فلم (ستارترك) ولغة (دورثكي) –Dorthki– التي أبتكرت من قبل المؤلف George R. R. Martin– وطورها اللغوي ديفد ﭘترسون Ddavid J. Peterson-– حتى أصبحت عام 2011 لغة متكاملة لها قواعدها وقاموسها الخاص، كما تم إبتكار لغة نافاي –Na’vi– لفلم (أفتار) في عام 1994م وأصبحت لغة قائمة بحد ذاتها لها قاموسها ومفرداتها وقواعدها بحدود العام 2009م، وهيّ من إبتكار المخرج جيمس كامرون –James Cameron– واللغوي د. ﭘول فورمير-Dr. Paul Frommer-.
مما يؤكد شرعية الإعتراض على مقترح هاليفي ويفند نظريته بوجود شعب خرافي لا تشبه لغته أي شعب على الكرة الأرضية، إلى حد أن خرافية منطق أوﭘيرت قد جعلت زكريا سيتجن يتبنى هو الآخر نظرية أن السومريين الخرافيين هم مخلوقات فضائية (أنوناكي) قادمة من كوكب يكمل دورته حول الشمس كل 3600 عام أسمه نيبيرو!
بعيداً عن الأسطورة والأنوناكي ومقترح أوبيرت الذي كان وما يزال يقف على ساق واحدة (تسمية ملك سومر وأكد)، دعونا نتناول بأسلوب علمي وبالحجة والقرينة مسألة تحديد هل كانت (أور) في عهد أبينا أبراهيم (كلدانية أم سومرية)، وبالتالي هل كانت (أور) هيّ أرض ميلاد أبراهيم (أبو الأنبياء) قبل خروجه بدعوة إلهية إلى أرض الميعاد، وكذلك مناقشة الإدعاءات الباطلة الأخرى التي يشيعها حاسدو الكلدان، ممن يعملون ليل نهار على إشاعة معلومات مغلوطة تشكك في شرعية وجود الكلدان بصفتهم (سكان العراق الأصليين)، جاهلين أو متجاهلين تأكيد (المدونات التاريخية وبيانات الكتاب المقدس والمكتشفات الآثارية) بأن الكلدان كانوا متواجدين منذ أول ملك حكم مدينة موطن الحياة -NUN-KI- سواء كانت (أريدو) أم (بابل)، وبأن (الكلدان) سكان العراق الأصليين، كانوا وما يزالون متواصلين في الوجود حتى الآن، وبأنهم باقون ما شاء الرب.
مع ذلك لأن موضوعنا اليوم يهدف إلى إستبدال شك المشككين باليقين وتساؤلاتهم البعيدة عن المنطق بالحجة الدامغة، فأنه ينبغي إبتداءً أن يستوعب الجميع بكل وضوح وجلاء، تاريخ وأصل مصطلح (السومريون)، وبالتالي أن يميزوا ما بين ما هو واقعي ومدعم بالإثباتات الآثارية والمكتشفات المادية التاريخية وبين المصطلحات التي (يقترحها) المؤرخون من أجل تيسير فهم مرحلة تاريخية ما.
في الغالب الأعم تكون المصطلحات مفيدة وقريبة من الواقع، لكن في أحيان كثيرة تجانب مقترحاتهم الصواب، ولعل في مقدمة هذه المقترجات الخاطئة (علم الآشوريات) الذي فرضته جمعية الآسيويات الملكية (البريطانية)، علاوة على مصطلحات عديدة أخرى لا مجال هنا للخوض فيها.
أنا على يقين بأن موضوعي هذا لن يقرأه اليوم إلا بضعة آلاف، وبأنه لن يغير ما تمت إشاعته على مدى 157 عاماً من المعلومات المكررة والمضلِلة عن (السومريين)، ذلك الشعب الذي أبتكر تسميته أوﭘيرت عام 1869م، من أجل أن يحل معضلة تقنية، لكنه دونما قصد خلق معضلة أكبر، ساهمت بتجيير منجز الكلدان الأوائل الشعب الأصلي لوادي الرافدين إلى شعب وهمي.، لاسيما بعد أن أستخدم كريمر مواهبة الفذة في ترجمة الكتابات المسمارية ليعكس عليها دون وجه حق عشقه لمصطلح السومريين.
أعلم أيضاً بأن غالبكم الأعم لا يعرف بحكم عدم التخصص إلا ما تشيعه كتب الغربيين والترجمات العربية ومواقع الويكيبيديا التي تجتر ما تُلقن به هيّ الأخرى، من معلومات توحي بأن السومريين هم أصل الحضارات ومكتشفوا النجوم وصناع الكتابة وكل المعارف الرافدية. أنتم لا تلامون على ذلك، إذ كيف لكم أن لا تصدقوا هذا بوجود مئات الألوف من الكتب والأفلام التي تروج لهذه المغالطة التاريخية ليل نهار، ومنذ ما يزيد على (قرن ونصف القرن)، على الرغم من تعالي أصوات معارضة جاهدت من أجل تصحيح هذه المعلومات المضلِلة، لاسيما وأن قادة المعارضة يعدون من ثقاة المؤرخين الأجانب الذين أوردت أسماء بعضهم آنفاً، علاوة على العراقيين وبضمنهم د. نائل حنون وطه باقر.
هنا لن أناقش مغالطة أوﭘيرت متوقعاً أن يتم تصحيحها غداً من قِبل وسائل الإعلام والجامعات والمتاحف على مستوى العالم كله، لكنني سأبين هنا فقط (حقيقة دامغة) وهيّ عدم وجود شعب (سومري)، وبأنه مجرد إبتكار مخيلة غربية، ذلك إنه لم يكتشف حتى اليوم (لوح مسماري واحد) يرد فيه إشارة لشعب (سومري) أو دولة مدينة (سومرية)، كما لم يذكر الكتاب المقدس أسم (سومر) أو (السومريين) ولو لمرة واحدة!
الأنكى، أن أساتذة كبار في حقل التاريخ والآثار أمثال د. أنطون مروﺗﮕﺎت وهنري فرانكفورت، وألكساندر شارف (الذي أثبت قدمية وتأثير بلاد الرافدين على مصر)، وبينو لاندزبيرﮔر وكلود هيرمان وألتير جونز و دي. إي. ريس أكدوا، بأن ثقافة العُبيد، وبضمنها مرحلة (أريدو) و(أور) لا علاقة لها من قريب أو بعيد بمن أطلق عليهم أوﭘيرت عام 1869م أسم السومريين. لذلك أطلب منكم جميعاً أن تسألوا أنفسكم، إذا لم يكن هنالك ثمة شعب سومري أصلاً، فكيف يمكن أن تكون (أور) سومرية؟
الأصل والمعنى الدقيق لكلمة سومر| شُوميرو
يذكر الأستاذ طه باقر وأيضاً د. جورج رو : جاء أسم (سومر) من الأسم القديم للقسم الجنوبي من العراق (سومر) وإن توخينا الدقة (شوميرو) التي تكتب بالأكدية -šumēru- فيما تكتب باللغة السومرية مقطعياً كي إن ﮔﻲ(إر) -Ki en ge (r)-، أما طه باقر فيستخلص في ذات المصدر: أن المعنى الحرفي لأسم سومر كي إن ﮔﻲ (إر) هو (أرض سيد القصب) ولعل المقصود هنا بسيد القصب هو الإله إنكي / أيا، كما يُعتقد أن تسمية شوميرو هي إشتقاق من أسم أحد الأحياء الدينية في مدينة نفر (ﻧﻴﭘور)، يؤيد ذلك الأستاذ الدكتور فوزي رشيد فيشير: “إلى أن سومر وبالأكدية (شُوميرو) كان أسم موقع (ضاحية) يحيط بمدينة ﻧﻴﭘور وذلك قبل عام 2450 ق.م، ثم صار بعد ذلك التاريخ يطلق على كامل القسم الجنوبي من العراق القديم”.
علماً بأنه في العهد الأكدي الذي ظهرت فيه تسمية (سومر)، كانت التسمية تذكر مقرونة بأكد، بصفتهما إقليماً واحداً وليس إقليمين منفصلين إذ لم ترد في تسميات الملوك مطلقاً بصيغة منفصلة، كما في صيغة ملك إقليم سومر وأكد، الذي يكتب مقطعياً بصيغة شارمات شوميري أو أكادي – šar mat šumerim u akkadim- وهذا يؤكد بأن منطقة سومر لم تكن منفصلة عن إقليم أكد، لكنها كانت تُذكر أو تُربط بأسم أكد بسبب ما تمثله من قداسة (مكانة دينية سامية)، لكونها مدينة كبير الآلهة (إنليل)، الإله الجبار والمسؤول الأول عن الطوفان العظيم، كما يرد ذلك بشكل واضح في اللوح الحادي عشر من ملحمة ﮔﻟﮕﺎمش في نسختها البابلية القياسية.
أما بالنسبة للغة، فلم يعرف أو يستخدم الرافديون على الإطلاق لغة بأسم (اللغة السومرية)، وإنما كانوا يطلقون على ما تمت تسميته عام 1869م من قبل أوبيرت بأسم (اللغة السومرية)، تسمية كو- كي إن ﮔﻲ(را) التي تكتب مقطعياً -ku-k i-en-gi(ra)- وتلفظ إيمي-سال، وهذه اللغة كانت بعدة لهجات وفقاً لمستواها اللغوي، حيث كانت اللغة الأكثر شيوعاً تدعى كما أسلفت إيمي سال -eme-sal- أي لغة النساء، بحجة أن النساء يؤثرن الإسهاب في الحديث، أما باللغة الأكدية فتدعى لشانا صليطي -lišani ṣilti-، فيما كانت لغة الضليعين بالكتابة تدعى إيمي ﮔﺎل em-gal–، بمعنى اللغة الكبيرة، كما كانت هنالك لهجة الإيمي-سوكود-دا -em-sukud-da- أي لهجة النخبة، علاوة على لهجات مرتبطة بالحرف (المهن)، وجميع هذه التسميات أستُخدِمت للتمييز بين لغة الإستخدام اليومي وبين اللغة المستخدمة في المعبد واللغة الأدبية.
بهذا الصدد، تتفق العديد من المعاجم السومرية والأكدية وبضمنها معجم رينيه لابات وكتاب قواعد اللغة الأكدية وتاريخ تدوينها للدكتور عامر سليم، الذي يؤكده الأستاذ طه باقران بأن كلمة (شوميرو) لا تدل على (عِرق) بل تشير لمنطقة محددة، وأيضاً نوع من اللغات. كما يؤكد بعض المختصين إلى أن كلمة سومري بحسب إرتباطها اللغوي قد تشير إلى تخصص ممتهني (حرفة) الكتابة، وبأنها كانت تطلق فقط على الضليعين بالكتابة المسمارية، لذلك فأن المعنى الدقيق لمفردة (سومر) كانت تعني تحديداً (لغة الإيمي سال)، وأيضاً أحدى ضواحي مدينة ﻧﻴﭘور التي أعتبرت بعد تراجع أهمية أريدو بصفتها (مركز جنوب الرافدين الديني)، ثم تم تعميم أسم المنطقة المقدس على نطاق أوسع، كما يشير البعض إلى أمكانية تعبيرها عن ممتهن الكاتبة بالقلم المسماري، وجميع هذه التوصيفات لا علاقة لها بالجنس (العرق).
يوضح ذلك الأستاذ د. نائل حنون وبما لا يقبل الجدال، بأن التسمية (السومرية) وفقاً لمعارضة مدرسة (هاليفي) الواقعية النقدية، بأن (السومرية) هيّ تسمية غير دقيقة علمياً وبأنها لا تشير إلى وجود شعب قومي، لأنها وفقاً للبيانات الواقعية التي طرحتها مدرسة (هاليفي)، وما أستخلصه د. نائل حنون علاوة على آخرين عن دراسة طويلة وعميقة ، فأن تسمية (سومر) هيّ مجرد (تسمية موقعية) و(صفة ثقافية) تشير إلى (لغة) وبالأحرى (نظام كتابة) وليس إلى (شعب أو عرق)، وبأن صامويل نوح كريمر الذي أتبع مدرسة (أوﭘيرت) التجريبية، قد أقحم بدوافع شخصية أسم (سومر) ومصطلح (اللغة السومرية) في ترجماته رغم عدم وجودها في الأصل المسماري، ثم تناقلها المؤرخون غير الملمين بالكتابة المسمارية وعامة الكتاب والمتحفيون من غير المختصين بحقل الكتابة المسمارية كبديهية وأشاعوها رغم خطلها علمياً.
ومما يؤدي خطل هذه التسمية، أضافة كريمر دون وجه حق كلمة (سومر) و(سومري) في ترجماته دون أن يكون لها أي وجود في النص المسماري
وعلى سبيل المثال تسميته للوح (الملوكية) أو (أثبات الملوكية) الذي أكتشفت منه عدد من النسخ أهمها النسخة التي اكتشفت في لارسا في أوائل القرن العشرين، بحدود العام 1922م، مع ذلك لو سألت اليوم أي مختص في حقل الرافديات عن معنى عبارة نام-لوﮔﺎل التي تكتب بالقلم المسماري بصيغة -NAM-LUGAL- فأنه سيجيب فوراً (جدول الملوك السومريين)، وعندما تسأل هذا المختص، لكن أسم الجدول بالقلم المساري يحتوي على كلمتين فقط هما (نام) بمعنى (أسم) و(لوﮔﺎل) بمعنى (ملك) وأن دمجهما في عبارة واحدة يعني (الملوكية) أو (أسماء الملوك) حسب، فمن أين أتيت بأسم السومريين وألصقته بأسم اللوح؟
فأنه سيجيبك، لأننا نعتمد ترجمة كريمر، ولأنه الأسم الشائع الذي يعرف به هذا اللوح تمييزاً عن ألواح ملوكية أخرى!
مع معرفته الأكيدة بأن اللوح يغطي في مجمله سلالات ﭘروتوكلدية (سامية) بحسب (شلوتزر) وليست سومرية (بحسب أوﭘيرت).
جدير بالذكر أيضاً، أن صامويل نوح كريمر أبدل دون وجه حق وبشكل قصدي معنى عبارة ذوي الرؤوس الداكنة -SAG-GIG- أو – ùĝ saĝ gíg ga- وفق الكتابة السومرية المقطعية، علماً بأن هذا المقطع يكتب لفظياً بصيغة – uŋ saŋ gi ga- ويقرأ باللغة الأكدية – ṣalmat-qaqqadim- التي تعني أصحاب (شعر الرأس الداكن) أي (الذين لون شعرهم ما بين البني والأسود)، مع ذلك ترجمها كريمر إلى (سومريين) على هواه، مقتدياً بمدرسة أوﭘيرت الذي أبتكر تسمية (سومري) و(سومريين) عام 1869م، وأشاعهما كريمر في مؤلفاته منذ أربعينات القرن الماضي، ومن أشهر مؤلفاته، كتابه لعام 1944 (الأساطير السومرية)، الذي كرر فيه ترجمة (ساﮒ ﮔﮒ) أي ذوي الرؤوس الداكنة إلى (سومريين)، في حين أن -SAG-GIG- كما أسلفت، كانت تدل حصراً على الشخص المفرد أو مجموع الأشخاص بشكل عام، من دون تحديد للعِرق.
من أجل أن لا يتوهم البعض بأن (ساﮒ ﮔﮒ) تعني أسود البشرة كما يلوح إلى ذلك بعض الأفارقة، فأن التسمية تستخدم اللون هنا (مجازاً) لتعني به أعلى الرأس (تحديداَ) أي شعر الرأس، وهذا أمر شائع للإشارة لشيء ما، حيث يشبه ذلك إستخدام الحجازيين الغزاة من أبناء الصحارى القفراء لتسمية (أرض السواد) إشارة لوادي الرافدين، لا لأنه أسود، ولكن بسبب حقوله الخضراء الشاسعة، التي كانت تبدو لهؤلاء الصحراويين من مسافات بعيدة داكنة كاللون الأسود.
للأسف، أن كريمر بناء على تبنيه لمقترح أوﭘيرت، قد أقحم عنوة، أسم (سومري) على الأرض فيترجمها بلاد سومر، والإشارة للناس يترجمها سومريين! حتى أنه أضاف كما أسلفت، دونما مسوغ على اللوح المعروف بأسم الملوكية أو أسماء الملوك (نام-لو-ﮔﺎل)، فأشاع تسميته الخاطئة المعروفة اليوم (جدول الملوك السومريين)، مع أن الأسم الصحيح للوح هو -Nam-Lu-gal- المتأتِ من كلمتي (نام) أسم و(لو-ﮔﺎل) الملوك أو (الملوكية) حسب. مع ذلك لم يتردد كريمرعن إقحام أسم (سومر) في ترجماته التي لا توجد فيها تسمية (ساﮒ-ﮔﮓ) أصلاً، مما يفقد ترجماته المصداقية العلمية، رغم (تمكنه اللغوي الذي لا غبار عليه)، ورغم براعة ترجماته التي لا تضاهى.
للعلم أيضاً، فأن كريمر في طبعة كتابه لعام 1944م أورد إشارات مفادها، أن السومريين قد لا يكونوا من أبتكر القلم المسماري، لكنه في طبعة كتابه لعام 1961م حذف تلك الإشارات، بعد أن تعرض لحملة توبيخ من جهات في موقع القرار الأكاديمي، لعلها كالعادة (جمعية الأسيويات الملكية لبريطانيا العظمى وأيرلندا) التي فرضت المصطلح الخاطيء (علم الآشوريات). هذه الجمعية الأكاديمية المتسلطة أنشأها عام 1823 هنري توماس كوليبروك.
لذلك فأنني أتفق هنا تماماً مع فريق البروفيسور (جوزيف هاليفي) ومع ما طرحه أساتذة كبار ومن بينهم من العراق الأستاذ نائل حنون الذي أرجح طروحاته الواقعية وأتفق معها تماماً، ومفادها: أن من يطلق عليهم تسمية السومريين هم نخبة ﭘروتوكلدية (أكدية/سامية)، بدليل أن الكتابة قد بدأت قبل ظهور ثقافة من أطلق عليهم تسمية (السومريين) بأكثر من خمسة آلاف عام، وأن ما تسمى بالثقافة السومرية لم تزدهر إلا خلال الأعوام 2900 -2650 قبل الميلاد وأيضاً في الأعوام 2112 – 2004 قبل الميلاد في محيط جله من اﻟﭘروتوكلديين (الساميين بحسب شلوتزر).
كما أن القلم المسماري السومري (مجازاً) كان بدائياً ومرتبطاً بالإقتصاد حصراً، لكنه تحول إلى قلم متطور بقواعد لغوية متطورة خلال الألفي عام من حكم البابليين وفرعهم (الآشوري) في شمال الرافدين، وذلك بعد الإنقراض الإفتراضي (للسومريين) الذين أبتكرهم أوﭘيرت عام 1869م. والسؤال هنا ثانية، إذا لم يكن هنالك ثمة شعب (سومري) أصلاً، فكيف يمكن أن تكون (أور) سومرية؟!
الكلدان سكان العراق الأصليين وشعب الرب العصي على الفناء!
تؤكد المكتشفات الآثارية والمدونات التاريخية بكل وضوح وجلاء تواجد اﻟﭘروتوكلديين (الساميين بحسب شلوتزر) منذ عصر العُبيد في حدود 5300 ق.م علماً بأن فترة العبيد المبكرة تمتد من 6500 إلى 5300 ق.م. حيث تؤكد المصادر التاريخية تواجد ااﻟﭘروتوكلديين الذين يسميهم لاندزبيرﮔر (الفراتيون الأوائل) وهيّ تسمية جغرافية قد تميزت بشكل مستوطنة حضارية في فترة العبيد المسماة (عصر أريدو)، أي قبل شيوع ما تسمى بالثقافة السومرية بما يقرب من 1800 عام، حيث تؤكد العديد من المصادر التي يتبناها المختصون في حقل التاريخ الرافدي بأن إبتكار اللغة المتعارف عليها اليوم بأسم (اللغة السومرية) قد أبتكرت من قبل (نخبة أكدية) علماً بأن التسمية الأكدية كانت مستخدمة في النصوص البابلية، لكن إستخدامها الحديث بشكل (لغة شعب قومي) كان في القرن التاسع عشر، حيث يعني المصطلح (أكدي) جميع المنحدرين عن الكلدان الأوائل (ﭘروتوكلدي)، أما سبب إبتكار (السومرية) من قبل اﻟﭘروتوكلديين كلغة رمزية تجريدية، فقد كان من أجل أن تخدم إحتياجات مجاميع النُخب في المجتمعات الرافدية الأولية، لاسيما على الصعيد الإقتصادي البعيد عن الأحاسيس والمشاعر، ثم تطورت منذ العصر الأكدي بدليل قصائد أنخيدونا أبنة سرﮔون الأكدي وكذلك قصائد شوﻟﮕﻲ أبن أورنمو كتبا بالسومرية، علاوة على ملحمة ﮔﻟﮕﺎمش/ شا نَقبَ إمورو (هو الذي رأى) وأسطورة الخليقة/ إينمو إيليش (عندما في العلى) باللغة الأكدية، وذلك لكي تتسيد حاجة المجتمع الرافدي القديم للكتابة في مجالي (الإسطورة والأدب)، قبل أن يتوفر التعليم للعامة الذين أعتمدوا ما يتعارف عليه باللغة الأكدية المتداولة منذ 2310 ق.م بدليل أن أنخيدونا أبنة الإمبراطور الأكدي سرﮔون والكاهنة العليا لمعبد الإله ننار (سِن) في أور، قد كتبت قصائدها باللغتين السومرية والأكدية.
الأهم من هذا وذاك أن ما تسمى بالثقافة السومرية لم تزدهر كما أسلفت إلا في مرحلتين من تاريخ وادي الرافدين لا تتجاوز 350 عاماً، وذلك في عصر فجر السلالات من الأعوام 2900 إلى 2650 ق.م، أي تنتهي بالعهد الذي يبدأ فيه حكم الملك ميشاليم اﻟﭘروتوكلدي وموحد إقليم وسط وجنوب الرافدين)، علماً أن بعض المصادر تشير إلى أن فترة حكم ميشالم (مي-سالم) قد بدأت في حدود 2600 ق.م. أما المرحلة الثانية فقد تمثلت في عصر سلالة أور الثالثة 2112 إلى 2004 ق.م.
المثير هنا، أن البابليين الكلدان هم من قاموا بتطوير هذه اللغة وزادوا في مفرداتها وتقليص مقاطعها وتحويلها من مقاطع مرتبطة بمفهوم الصورة إلى مقاطع لفظية، علاوة على تحسين قواعدها، وذلك منذ العصر البابلي القديم، كما ساهم بهذا التحسين كلدان إقليم آشور، منذ تأسيس مملكة آشور عام 1813 ق.م. على يد الملك اﻟﭘروتوكلدي شمشي أدد الأول، الذي لم يستخدم إلا القلم واللغة المستخدمة في بابل!
كما أن الكتابة التي آثر وضعها الملك الكلداني الشهير نبوخذنصر الثاني على بوابة عشتار لتخليد مآثره في بناء البوابة وأسوار بابل، كانت بالقلم المسماري (السومري) مجازاً.
كما أن أخر نص مسماري (بابلي- كلداني) وصلنا كان نصاً فلكياً مدوناً بذات القلم المسماري من أوروك، دونه أحد الكهنة الكلدان الذين ظلّ على وثنيته على ما يبدو، أو ربما كان قد قبل البشارة المسيحية لكنه كان يفضل كتابة النصوص الفلكية وفق التقليد البابلي، وكان ذلك في حدود العام 80م، أي بعد أنقراض ما أصطلح عليه بمصطلح (الثقافة السومرية) بأكثر من ألفي عام!
تصويب قراءة التاريخ الرافدي القديم واقعياً، بمعنى عدم وجود شعب سومري، وفق ما يلي:
1- رغم وجود ما يزيد عن (مليون لوح مسماري) في حوزتنا اليوم، علاوة على آلاف المسلات والنصب الحجرية سواء تلك التي أكتشفت في وادي الرافدين أو الأقاليم المجاورة أو أرشيف تل العمارنة في مصر، مع ذلك لم يرد في أي واحد من هذه المكتشفات الآثارية أسم شعب يدعى (سومري)، كما لم ترد تسمية شعب بأسم (سومري) ولو مرة واحدة في الكتاب المقدس.
2- عدم وجود أي مكتشفات مادية تؤرخ نشوب نزاع قومي بين السومريين (المفترضين) والأكديين على مدى 896 عام من العيش المشترك (الإفتراضي) 2900 -2004 ق.م، برغم الإختلاف العرقي المزعوم (حسب إدعاء المؤرخين التقليديين)، وهذا ما يتنافى مع المنطق التقليدي لطرق العيش في المجتمعات القديمة، التي غالباً ما تحسم خلافاتها وإختلافاتها بالعنف.
3- على العكس من ذلك، تؤرخ حوادث مدونة حدوث نزاعات بين تحالف مدن أكدية مع مدن سومرية (مفترضة) ضد مدن أكدية وسومرية (مفترضة) تحديداً! وهذا ما يتنافى مع العقل والمنطق.
ومما يؤكد عدم وجود هكذا نزاعات عرقية، أن المدونات التاريخية التي توثق تلك النزاعات، تؤكد بما لا يقبل الشك بأن تلك النزاعات ما بين المدن السومرية-السومرية (المفترضة) والأكدية-الأكدية، كانت نزاعات من أجل زيادة مساحات الأراضي الزراعية أو للحصول على حصص أكبر من المياه، ولعل أشهر تلك النزاعات كان النزاع بين مدينتي ﻟﮕش وأوما حوالي 2600-2350 ق.م، الذي يعد أقدم نزاع (حدودي ومائي) مسجل في التاريخ، وقد تركز النزاع حول منطقة “ﮔو إيدين” الخصبة والوفيرة المياه.
أستمر النزاع أجيالاً بسبب مطالبات متنافسة على الموارد، حيث وثّق ملوك ﻟﮕش مثل (إياناتوم) انتصاراتهم في نصب يدعى “مسلة النسور”، ومع أن هاتين المدينتين يفترض بهما وفقاً لتصنيفات المؤرخين والكُتّاب التقليديين أن تكونا مدينتان سومريتان، فأن من أقام الصلح بينهما ووضع (كودور) أي (حجر ترسيم الحدود)، هو الملك ميشاليم حاكم كيش اﻟﭘروتوكلديي، في حدود 2550 ق.م. مما يؤكد خطأ مزاعم المؤرخين التقليديين، لأن صراعات الرافديين كانت محددة بمشروعية السيادة على الأرض ومصادر المياه، ولم تكن لها أي علاقة لها بأي تنوع ثقافي أو عرقي مفترض. وهو ما يدعم تواجد الرافديين اﻟﭘروتوكلديين منذ فترة العصر الحجري الحديث في الألف الثامن قبل الميلاد إلى 5600 قبل الميلاد، بدليل توافق حبات السبح المحززة ومجسمات الكلي توكنس وتطورها التقليدي الممتد من شومِرا إلى عصر الكتابة الصورية في كيش.
4- إستخدام ملوك سلالات أكدية تسميات سومرية وبالعكس، مما يؤكد بأن السومريين (المفترضين) والأكديين هما (شعب عرقي واحد)، إذ لا يعقل أن تكون أول سلالة حاكمة بعد الطوفان ﭘروتوكلدية (سامية) لتليها سلالة أي-أنا السومرية (المفترضة) وملكها الأسطوري مشكي-أنگاشر (والد البطل ﮔﻟﮕﺎمش) في حدود 3200 قبل الميلاد حيث كانت الكتابة ما تزال صورية، مع ذلك وبرغم هذه الحقيقة الدامغة، يدعي المؤرخون التقليديون بأن السومريين (المفترضين) سباقيين على اﻟﭘروتوكلديين!
كما لا يعقل أن يكون الأب في سلالة ما أكدي والأبن سومري والحفيد أكدي. ولعل خير مثال على الخليط العرقي الظاهري، هو حكم الملكة اﻟﭘروتوكلدية ﭘو-آبي التي حكمت في حدود 2550 ق.م، ملكة على سلالة أور الأولى التي يفترض أن تكون (سومرية) دون إرتباطها بملك. يتبين من أسمها الذي يعني (حكمة أبي) بأنه أسم أكدي/ ﭘروتوكلدي وليس سومري، لأنه في السومرية يلفظ (كا-آد).
لذلك حاول البعض (حل هذا الإشكال العرقي) بإفتراض أنها كانت الزوجة الثانية للملك (ميس كلام دوﮒ)، متجاهلين، بأنه حتى لو كان ذلك الإقتراح الحديث صحيحاً، فأن هذا يدل على تواجد اﻟﭘروتوكلديين وتمازجهم مع السومريين (المفترضين) إجتماعياً وثقافياً منذ عهدذاك.
ذات الخليط العرقي (الإفترضي) كان الغالب على جميع السلالات الرافدية قبل نهاية الألف الثالث ق.م. حيث نجد هذا الخليط في سلالات يعتبرها الغربيون سومرية، مع أن ملوكها الذين ينتمون لنفس العائلة يحملون خليطاً من أسماء سومرية وأكدية، مثال على ذلك سلالة أور الثالثة حيث تبدأ بالملكين أور-نمو وأبنه شوﻟﮕﻲ، يليهما الأحفاد عمار-سن وشو-سن وآبي-سن.
ينطبق هذا أيضاً على أمبراطورية أكد (الكلدية) بحسب بيروسس والمؤرخين الكلاسيكيين أمثال ديودروس وميكاسثينس وأبيدينوس ويوزبيوس والمؤرخ الروماني الشهير ﭘوليهستر، مع ذلك نرى أن أبنة الإمبراطور سرﮔون (شرو- كين) أي الأميرة (أنخيدونا) تحمل أسماً سومرياً، فيما يحمل حفيده الأمبراطور نرام سين (محبوب الإله سن/ ننار) أسماً ﭘروتوكلدياً، نرى ذلك أيضاً في أسم أبنة آخر أمبراطور بابلي (كلداني) نبونائيد، حيث كان أسم أبنته (بيل-شالتي-ننار) وهو أسم سومري، فيما كان أسم أبنه وولي العهد (بيل-شاصر) ﭘروتوكلدي، مما يؤكد بأن مزاعم الغربيين بوجود عرق (سومري) هو من إبتكار مخيلاتهم، ذلك أن ثقافة وادي الرافدين في إقليمي بابل (سومر وأكد) وآشور كانت وحدة روحية ولغوية وعرقية واحدة رغم ريادة بابل وتقدمها الفكري، تماماً مثلما كان أهل بغداد متقدمون على أهل الجنوب حتى تسعينات القرن الماضي، رغم أن ثقافتهم ولغتهم واحدة.
5- إستمرار الأكدين / الكلدان على تطوير اللغة السومرية وإضافة مفردات سومرية جديدة من أجل الإستخدام اليومي بعد ما يقرب من ألفي عام على (الإنقراض الإفتراضي) للسومريين، الذين لا يوجد هنالك دليل مادي واحد يؤكد وجودهم أصلاً، بل أن آخر نص كلداني (فلكي) وصلنا كما أسلفت في حدود العام 80 م، كان مكتوباً وفقاً للنصوص المسمارية السومرية!
السؤال هنا، ما الذي يدعو شعب (أكدي / كلدي) ثبت وجوده منذ عصر العُبيد، على إستخدام وتطوير لغة شعب (إفتراضي) منقرض (سومري) لما يزيد على ألفي عام؟ إلا إذا كان كلا الشعبين الواقعي والمفترض شعب واحد.
6- حمل الملوك السومريين والأكديين تسمية ملك الجهات الأربعة وتسمية ملك سومر وأكد، بما فيهم ملوك آخر سلالة بابلية (كلدية) حكمت بلاد الرافدين، وبضمنهم أحد أعظم أباطرة العراق القديم الملك الشمس نبوخذنصر، الذي تؤكد حولياته بأنه ينحدر من الإمبراطور نارام-سِن حفيد الإمبراطور سرﮔون الأكدي، حيث تبين مدونات نبوخذنصر إستخدامه في لقبه تسميات ملك بابل / ملك أكد / ملك سومر وأكد، وذلك بعد الإنقراض المفترض للسومريين بما يقرب من ألف وخمسمائة عام، فيما لم نجد ملكاً واحداً يفترض به أن يكون سومرياً يطلق على نفسه لقب (ملك سومر) حسب!
والسؤال هنا ما الذي يدعو هؤلاء الملوك الأكديين/ اﻟﭘروتوكلديين المختلفين عرقياً كما يفترض (المؤرخون التقليديون) إلى تضمين أسم إقليم (سومر) في ألقابهم الملكية، رغم مرور ما يزيد على ألف وخمسمائة عام على إنقراض السومريين الإفتراضي، فيما لم يلقب ملكاً واحداً من ملوك سومر (المفترضين) نفسه بأسم ملك (سومر) حسب، وإنما أستخدم الملوك السومريين (الإفتراضيين) ذات الألقاب الشائعة في عهد الإمبراطورية الأكدية (اﻟﭘروتوكلدية)؟!
7- تدل المكتشفات الآثارية والمدونات التاريخية، على أن تسمية سومر كانت تدل على الضاحية الدينية في ﻧﻴﭘور إبتداءً، كما كانت تشير ضمناً للغة المعروفة بأسم (إيمي-سال). كما أن هنالك إشارات تفترض بأن سومر كانت تدل أيضاً على الكتّاب المتمكنين بالكتابة المسمارية، علماً بأن التسمية العامة للكتّاب والمعلمين كانت بالقلم السومري دوب-سار-DUB-SAR- وبالأكدية طبشارو -ṭupšarru- وأيضاً مُعلميدو.
أن من المنطق إعتبار الأكديين الذين أخذوا تسميتهم المناطقية من أسم العاصمة (أكد) أي الكلدان الأوائل (اﻟﭘروتوكلديين) والسومريين (المفترضين عام 1869م بحسب أوﭘيرت)، شعب واحد متواصل عرقياً، مع تباين واضح في المستويات الثقافية، كالتباين الواضح بين ثقافة المدن وثقافة البادية، أو بين ثقافة المدينة وثقافة الريف كما أسلفت. حيث ما زال سكان المدن، لاسيما أهل بغداد ينظرون للجنوبيين على أنهم (شروﮒ) مع أن كليهما شعب واحد لغة وثقافة ودماً وتاريخاً.
يتبين من خلال المصادر التاريخية واللغوية والمكتشفات الآثارية بأن مصطلح (السومريين) الذي تم تعميمه منذ اربعينات القرن المنصرم للإشارة إلى لغة وشعب (مفترضين)، إنما هو (مصطلح حديث) أبتكره أوﭘيرت عام 1869م، وبأن الأسم الحقيقي لما تسمى باللغة السومرية، هو إيمي سال، التي هيّ إبتكار أكدي (ﭘروتوكلدي) يتوافق تماماً مع طروحات البروفيسور جوزيف هاليفي وسلسلة من ثقاة المختصين بينهم من العراق الأستاذ د. حنون. كما أن مصطلحي (سومري) و(لغة سومرية) إنما يدلان تحديداً على ثقافة (أكدية نخبوية)، لا علاقة لها بالعرق السومري الذي أخترعه الغربيون في القرن التاسع عشر.
علماً بأن هذه ليست أول مرة يخطأ فيها الأكاديميون الغربيون، بدليل تبنيهم للمصطلح الخاطيء (الساميين) الذي أستمد منه مصطلح (اللغة السامية)، اللذين أشاعهما شلوتزر عام 1781م برغم ما في هذا المصطلح من هنات لا مجال هنا للخوض فيها.
ناهيكم عن ترويج التشيكي بيدريش هورزني -Bedřich Hrozný- لمصطلحي اللغة الحيثية والحيثين عام 1915م رغم أعتراض الكثيرين عليه، ثم تأكد لاحقاً بأن أسم اللغة الصحيح هو (النيساتية)، علاوة على الخطأ الذي لا يغتفر عندما أطلقت الجمعية الآسيوية الملكية (البريطانية) -The Asiatic Society- على عِلم الكتابات المسمارية، التسمية التي أشاعها البريطانيون (علم الآشوريات) وذلك في حدود العام 1857م، وهو ما تم شرحه بشكل واضح ومبسط في الفديو الوثائقي أدناه:
حقيقة مصطلح (علم الاشوريات)
الحق، شتان ما بين الحقائق العلمية وما هو شائع خطأً على أرض الواقع، لذلك يتبين لكم من خلال الكم الهائل من الأدلة الآثارية والوثائق التاريخية واللغوية التي أعتمدتها في هذه الدراسة وقمتُ بعرضها ومناقشتها وإثباتها، بأن مدينة (أور) كانت مدينة ﭘروتوكلدية، وهو ما يتوافق أيضاً مع بيانات الكتاب المقدس، الذي لم ترد فيه كلمة سومر أو سومريين ولو لمرة واحدة.
الخلاصة: يتبين أن التسمية الأصلية (شوميرو) والحديثة (سومر) لم تكن تدل في العصور الرافدية القديمة أصلاً، إلا على ضاحية (دينية) صغيرة تابعة لمدينة ﻧﻴﭘور، وتعني مقاطعها المسمارية حرفياً (أرض سيد القصب)، أي الإله (أنكي| أيا). وبأن مصطلح (سومر) كان يستخدم من قبل الملوك الرافديين (الساميين بحسب شلوتزر) للإشارة إلى منطقة جغرافية محددة تقع جنوب بابل لها خصوصية دينية متميزة، وأيضاً إشارة لنظام الكتابة المسماة (إيمي-سال) ،التي يؤكد الأستاذ طه باقر بأن إستخدامها الرئيس “قد أنحصر تداوله بين كهنة المعابد”
يؤكد الكتاب المقدس على أن بلبلة الألسن كان في بابل، وأن الكلدان هم سكان بابل وأمة منذ القدم. كما يؤكد المؤرخون الكلاسيكيون أمثال ديودروس، ” الكلدان هم الأقدم بين البابليين” وهو ما يردده العديد من الآثاريين والمؤرخين القدامى والمحدثين من بيروسس حتى برﻨﮕﻣﺎن وأوتس ومارﮔريت روثن التي خصصت كتابها عن علوم ومعارف وادي الرافدين على طول التاريخ الرافدي تحت عنوان (علوم الكلدان) الذي أوضحت فيه أيضاً، بأن الكلدان هم قدامى البابليين، علماً بأن الأب د. يوسف حبي قد ترجمه تحت عنوان (علوم البابليين) والمعنى واحد.
جدير بالذكر، أن ما يدل على قدمية بابل، أن أسمها الرمزي هو (نون-كي) أي موطن الحياة، كما تؤكد ذلك حوليات سرﮔون أول أمبراطور في التاريخ، حيث يفتخر بأنه قد بنى عاصمته أكد ومقرها (دور – شروكين) بتراب بابل المقدسة، ذلك أن بابل على مدى بضع آلاف من السنين وقبل تأسيس سلالتها الملكية الأولى، كانت مثل ﻨﻴﭘور (مدينة دينية مقدسة) محفوظة المقام، ليس من خلال وجود سلالات حاكمة ولكن بسبب مكانتها الدينية. مما يؤكد ذلك أيضاَ أن سبب ثورة سرﮔون على ملك كيش أور-زبابا، كان بسب إهانة الملك أور-زبابا لآلهة بابل!
جدير بالذكر أيضاً، أن أستخدام مصطلح (السومريين) الحديث بصفة (شعب أو قوم)، فأنه لم يرد في النصوص المسمارية أو الكتاب المقدس، ذلك أنه إبتكار حديث يعود إلى عام 1869م، أي بعد أنقراض مدينة أور الذي حدث في حدود 500 ق.م الميلاد بسبب إبتعاد مجرى نهر الفرات.
بمعنى أدق، واضح وبسيط، أن الإستخدام الحديث لمصطلح (سومريين) قد أبتكر بعد ما يقرب من 2400 عام من إختفاء (أور) من المشهد الرافدي!
السؤال هنا ثانية، كيف يمكن أن تكون (أور) سومرية مع أن أهلها لم يسمعوا بشعب أسمه سومري، كما لم يستخدموا كلمة سومر إلا للدلالة على ضاحية دينية داخل مدينة الإله إنليل (ﻨﻴﭘور) المقدسة؟
لماذا الكلدان وليس غيرهم سكان العراق القديم الأصليين؟
لو راجعنا المعنى الدقيق للتسميات التي أطلقت على سكان العراق القديم منذ العصر المجهول حتى نهاية الحكم الوطني لعموم وادي الرافدين عام 539 ق.م مع نهاية الإمبراطورية البابلية الحديثة / سلالة الكلدان الإمبراطورية الأخيرة، علماً بأن الكلدان قد فقدوا سيادتهم فعلياً في تشرين أول عام 482 قبل الميلاد، الذي يمثل مناسبة إستذكار الكلدان لذكرى (يوم الشهيد الكلداني) في (السادس من تشرين أول) كل عام.
كما أسلفت، تستوقفنا في كل مراجعة للتاريخ الرافدي حقيقة دامغة ومثيرة في آن، لاسيما إذا ما أخذنا بنظر الإعتبار بأن التسمية السومرية هيّ كما أثبتناه مجرد تسمية لغوية ثقافية، فأن مفاد هذه الحقيقة الدامغة هو: أن من بين جميع التسميات القديمة سومر وأكد، بابل وآشور وغيرها لم يعرف العراق القديم إلا تسمية قومية واحدة تنتمي إليها كافة السلالات الرافدية العظيمة تلك هي تسمية (كلدو / كلديم) بمعنى (الكلدان)، فيما أستمدت جميع التسميات الأخرى سومر وأكد وبابل وآشور وعمورو وآرامو تسمياتها إما بسبب تداخل موقعها مع سطوتها ثقافياً أو بدلالة موقع (عاصمتها) أي (مركز منطقة نفوذها)، أو بسبب إنتسابها الجغرافي أو الطبوغرافي، بمعنى واضح وجلي، أن أسماء هؤلاء المستوطنين لاحقة للإستيطان، وقد قمت بتأكيد هذه (الحقيقة الدامغة) من خلال إستعراض وتحليل هذه التسميات وتفسيرها تفصيلياً بحسب شروحات الأساتذة والمختصين الأكاديميين في مجال التاريخ والآثار على الصفحات 31 – 40 من كتاب، (الكلدان منذ بدء الزمان) المتوفر مجاناً على الرابط أدناه:
وإن كانت مفردة (كلدو/كلديم) هيّ التسمية الرافدية القومية الوحيدة كما تم برهنتها، فأن من المُلزم إستكمالاً لهذه الدراسة أن نعطي هنا تصوراً واضحاً عن سكان العراق الأصليين (الكلدان) هؤلاء.
من البديهي بالنسبة للمختصين الأكاديمين علاوة على الغالب الأعم من المهتمين، أنه في العديد من المصادر الثقافية والتعليمية غالباَ ما يرد ذكر قوم يطلق عليهم أسم (كلدان) مقترناً بعاصمة ملكهم (بابل) وملكها الجبار نمرود بحسب كتاب العهد القديم، ناهيكم عن ألور(س) أول ملك حكم بابل (قبل الطوفان العظيم) وفقاً لبيروسس والمؤرخين الكلاسيكيين من أغريق ورومان والذي يوافق (ألولم) اﻟﭘروتوكلدي الذي حكم أول سلالة رافدية قبل الطوفان وفقاً لجدول (أثبات الملوكية)، حيث يتألف أسم ألورو الذي يضاف له في الإغريقية حرف(إس) من مقطعين مسماريين يدلان على معنى مدينة الطوفان (آلو) وعلى صفة البطل (أورو13).
لا يفوتنا هنا ذكر ملك الكلدان (الذي لا يضاهى) نبوخذنصر، المقاتل الباسل الذي أباد وهو في العشرينات من عمره في معركة قرقميش جيش تحالف الآشوريين والمصريين بقيادة الفرعون نخو الثاني عام 605 ق.م، الذي ضم في الجيش المصري الهائل العدد مرتزقة يونانيين من إيونيا وكاريا (اليونان القديمة). كما أشتهر نبوخذنصر بصفته معمارياً فذاً، من خلال بناءه بوابة عشتار وأسوار بابل الهائلة وجنائن بابل المعلقة، التي أعتبرها المؤرخون الكلاسيكيون أحدى عجائب الدنيا السبع القديمة.
جنائن بابل المعلقة في بابل – تفنيد مغالطات دالي
ولعل من أشهر تلك المصادر التي يرد فيها أسم الكلدان تتمثل في المكتشفات الآثارية وآيات وأسفار العهد القديم والعهد الجديد، مثلما يرد ذكر بابل مقرونة بالكلدان أو بأن الكلدان هم قدامى البابليين، كما يشير إلى ذلك ديودروس وتِسجيز الذي تلفظه د. حياة أبراهيم كتيسياس
كما يرد ذكر الكلدان كسكان أصليين متحضرين يسكنون المدن البابلية في وسط وجنوب الرافدين أيضاً في كتب التاريخ وحكايات الرحالة القدماء وكتابات السير والمدونين والنسابة العرب، وأيضاً في مؤلفات الأوربيين من عصر الفروسية في القرون الوسطى أو تلك التي كتبت في عصر الإستكشافات والثورة الصناعية، بل تجاوز الأمر حد تصويرهم في لوحات كبار الفنانين مثل ديلاكروا وكتابات فحول الشعراء مثل لورد بايرن، ناهيكم عن الأفلام السينمائية والرسوم المتحركة المعاصرة.
الحق، أن رابط كل تلك المصادر هو المنجزات المذهلة لهذا الشعب الرافديني العريق الذي تم تناول منجزاته ومآثره بشكل مفصل في المصدر رقم 3، علاوة على الكتاب الموسوم (كالدين ﻟﻴﮕﺎسي) الغني بالمصادر التاريخية والموثق بالمكتشفات الآثارية. أنظر الرابط أدناه:
جدير بالذكر أيضاً، أن أسم الكلدان غالباً ما يجيء في كتابات مؤرخي الحضارات القديمة، لعل أشهرهم بهذا الصدد سير ليونارد وولي وصامويل نوح كريمر وجورج روو، مثلما يجيء في الكتابات ذات الطابع الروحي (العهدين القديم والحديث) مقترناً بمدينة (أور) التي خرج منها أبو الأنبياء (إبراهيم) في رحلته الروحية التي طبعت الشرق الأوسط والعالم كله ببصمات ما زالت شديدة التأثير حتى يومنا هذا.
برغم كل هذا الكم المعلوماتي الهائل والقرائن والأثباتات الآثارية والمدونات التاريخية، يعمد البعض إلى التشكيك بأصالة سكان العراق الأصليين (الكلدان) لدوافع سياسية ودينية، علاوة على تجيير تراث الكلدان المادي والروحي للسومريين، الذين هم شعب لم يكن، تم إبتكاره عملياً عام 1869م.
جدير بالذكر، أن بعض الجهلاء بالتاريخ الرافدي العريق يتسائلون عن جهل لماذا لا توجد في بلاد آشور لوح واح يوجد عليه أسم الكلدان، وهذا لعمري هو منتهى الغباء، ذلك أن مكتبة آشور بانيبال أحتوت على العديد من الرقم المسمارية التي يرد فيها أسم الكلدان. الأهم من هذا وذاك، أن التسمية الكلدانية هيّ تسمية قومية وأي ملك رافدي وطني يقدم نفسه بصفته حامياً لجميع الشعوب التي يحكمها وليس لقومية بعينها. لذلك يكتب الملك العادل حمورابي الكلدي قومياً والعموري الأصل مناطقياً في مقدمة مسلته (إينو آنوم صيروم) عندما أعطى الإله آنو:
“عندما قضيا الإله آنو المتسامي ملك الأنوناكي (آلهة السماء) والإله إنليل سيد السماء والأرض ، مقرر مصائر البلاد
قضيا لمردوخ (إله بابل) الإبن البكر للإله أيا / أنكي أن يتمتع بقدسية الإله إنليل على كل البشر وجعلاه عظيماً بين الإكيكي (آلهة الأرض)
وسميا بابل بإسمها العظيم وجعلاها (شامخة) المستقيمة في العالم ، وثبتا في وسطها ملكية أبدية أسسها ثابتة كالسماء والأرض
عندئذ أسمياني الإلهان آنو وإنليل بإسمي حمورابي الأمير التقي الذي يخشى آلهته
لأوطد العدل في البلاد ، فأقضي على الخبيث والشرير ، لكي لا يستعبد القوي الضعيف
ولكي يعلو العدل كالشمس فوق ذوي الرؤوس الداكنة (الشعب) ، ولكي أنير البلاد من أجل خير البشر”
الملك الكامل ، لم أكن مهملاً أو مزعجاً للشعب (ذوي الرؤوس الداكنة)
الذين قدمهم لي الإله إنليل وأودعني مهمة حكمهم الإله مردوخ.
ويقول في موضع آخر: ” أنا الراعي الذي لا يغفل .. أحرس جيداً وعصاي مستقيمة”
كما كتب في خاتمة المسلة، مؤكداً فيها بأنه على الرغم من تقواه وتدينه البالغين إلا أنه لم يلزم أحداً بعبادة إلهه الشخصي (مردوخ) وإنما كما يتضح من خاتمة شريعته قد وفر حرية العبادة للجميع وقدم مساعداته لجميع معابد المملكة ولم يميز بين مواطني مملكته على أساس العرق أو اللغة، بل إنه لم يوجه قوانينه لفئة دينية أو عرقية بل أستخدم بديلاً عن ذلك مفردة المواطنين العامة أي الشعب وبالبابلية (ذوي الرؤوس الداكنة) ، فالكل سواء في دستور حمورابي والكل سواسية أمام الملك والقانون.
جدير بالذكر أيضاً، أن مغالطة الأكاديميين الغربيين التي خلقت شعباً من نسج خيال أوﭘيرت (السومريون)، قد وجدت تجاوباً طيباً من قبل الغزاة المستعربة الذين أحتلوا مثل غيرهم من الغزاة المسلمين بلاد الرافدين منذ القرن السابع للميلاد، ذلك أن مثل هذا التجيير لتراث السكان الأصليين، سيجنب هؤلاء المحتلين تقديم الإعتذار المُلزم عن قرون من الإضطهادات والإبادات الجماعية بحق سكان العراق الأصليين (الكلدان)!
آملاً من القاريء المنصف بعد هذا الإستعراض المطول أن يمييز فيما يتعلق بالتاريخ الرافدي بين قمح المعلومات والدلائل العلمية والتاريخية الموثقة وبين زوان الأباطيل والمقترحات الخائبة.
أفاد الآثاري واللغوي الشهير الأب كلود هيرمان والتير جونز أستاذ اللغات السامية “أن هنالك لغة سامية -ﭘروتوكلدية- قديمة في وادي الرافدين كان يتكلم بها السكان الأصليون” ، كما يؤكد د. أنطون مورﺗﮕﺎت أن السامية (بحسب شلوتزر) قد أزدهرت في عصر ميشالم، ويضيف في مكان آخر عن تشابه اللقى في مقبرة أور الملكية بما عثر عليه في كيش الموافق لعصر ميشالم، برغم الإختلاف العرقي بحسب المؤرخين المعاصرين. بهذا الصدد يؤكد الباحث الأمريكي ألبرخت ﮔوتزة “أن هنالك دولة مدينة كبيرة من الساميين كان مركزها في ﻟﮕش أثناء عصر فجر السلالات الثاني 2800-2600 ق.م.”
يؤكد الأستاذ طه باقر أيضاً بناءً على مقترح (أوﭘيرت)، بأن السومريين هم ” أحدى الجماعات المنحدرة من بعض الأقوام المحلية في وادي الرافدين في عصور ما قبل التاريخ البعيدة (كما أثبت كان هؤلاء الكلدان الأوائل)، ويضيف في مقطع آخر، بأنهم (السومريين) مثل الأكديين الذين أستقروا في أكد والبابليين نسبة لبابل والآشوريين نسبة لآشور، قد عُرفوا (لاحقاً) بأسمهم الخاص (السومريين) نسبة إلى أسم الإقليم الذي أستوطنوا فيه. أي أن التسمية لاحقة للإستيطان ومشتقة من أسم موضع جغرافي ولا تحمل مدلولاً قومياً” ويضيف الأستاذ باقر: “المرجح أن ميشاليم/ مسيلم ملك كيش (اﻟﭘروتوكلدي) – أول من أستعمل هذا اللقب -كيش-” ويقول في موضع آخر: “أن السومريين لم يكونوا أقدم المستوطنين في السهل الرسوبي من جنوب العراق، بل جاوروا أقواماً أخرى وفي مقدمتهم الساميون” بمعنى (اﻟﭘروتوكلديين)، كما يرجح الأستاذ باقر كما أسلفت “أن أهل حضارة العُبيد الذين سبقوا السومريين، هم الذين أوجدوا القلم المسماري”.
هنا حاول الأستاذ باقر أن يمسك العصا من المنتصف، أن لا يطعن بصديقه صامويل نوح كريمر من ناحية ومن ناحية أخرى أن يؤكد بأن السومريين المزعومين لم يكونوا المؤسسين الفعليين لحضارة وادي الرافدين.
وهو ما يؤكده كرستوفر لوكاس “أن أول ملك وجدت له نقوش موثوق بها، هو إينيمي بار ﮔيسي ملك كيش، في حدود (2700 ق.م).
فيما يخص تعدد وتنوع قراءات تسمية الكلدان، لا بد لأي منصف أن يتسائل: ألا يتوافق هذا التنوع في القراءات مع جميع الشعوب القديمة التي كتب لها أن تتواصل عبر القرون؟
حول هذا الموضوع أنظر مقالتي (أفتخروا أيها الكلدان لأنكم وحدكم سكان العراق الأصليين) على الرابط أدناه:
بعيداً عن التسمية الأصلية (كلدو/كلديم) التي تكتب مقطعياً بالمقطعين كال-دو -kal-du- وبالعلامتين 322 و 206،علماً بأن العلامات المسمارية واصلت التطور عبر القرون، لذلك على غير المختصين أن ينتبهوا إلى رسم العلامة وفق تسلسلها الزمني الذي يمكنهم فهمه من خلال الإطلاع على المرتسم التوضيحي المنشور في الصفحة 13 من كتاب كالدين ﻟﻴﮕﺎسي، كما أن هنالك فروق طفيفة لا تذكر في كتابة العلامات بين إقليمي بابل وآشور تشبه الفروق بين خطي (الكوفي والرقعة) أو بالقلم اللاتيني بين (إريال وتايمز نيو رومان)، على الرغم من ذلك، فأن العلامات المعتمدة، هيّ التي ترجع للفترة البابلية الحديثة، علاوة على العلامات التي أعتمدها كلدان الرافدين من شماله حتى جنوبه في فترة ما بعد الإحتلال الأخميني.
جدير بالذكر، أن تسميتي (كلديم )الأكدية و(كشديم) العبرية قد طغتا في القرون الأخيرة لما قبل الميلاد، ومن ثم تبدل إستعمالهما في القرون اللاحقة إلى كلديا (إغريقياً) وبلاد (كلواذا) محلياً، لاسيما بعد الإحتلال الإسلامي في القرن السابع للميلاد، وقد تواصلت هذه التسمية الدالة على سكان العراق الأصليين الكلدان حتى العقود الأولى من القرن العشرين، حيث كان يشار لمنطقة الباب الشرقي في بغداد بأسم (باب كلوذا)، بمعنى باب الكلدان أو الباب الجنوبي المؤدي لأرض الكلدان. علماً بأن جميع هذه التسميات كانت تدل القسم والوسطي والجنوبي لوادي الرافدين الذي كان يعرف في اللغة الأكدية بأسم القطر البحري (مات تام تِم) أو بلاد الكلدان (مات كلدو / كلديم)ـ على الرغم من إنتشار البروتوكلديين من إبلا شمالاً حتى قطرا جنوباً.
حول أصالة الكلدان التاريخية في الوطن الأم من فترة العُبيد والمدعمة بالأثباتات المادية أنظر الدراسة الموسومة (كيف يحسب الكلدان تقويمهم القومي؟ – 5300 قبل الميلاد – الحاضر) على الرابط أدناه:
حول تواصل وجود الكلدان منذ خسارتهم لسيادتهم على وطنهم الأم (وادي الرافدين) عام 482 قبل الميلاد حتى اليوم، أنظر الجزء الثالث (الكلدان منذ القرن الأول حتى القرن الحادي والعشرين) من الكتاب الموسوم كالدين ﻟﻴﮕﺎسي المتوفر على الرابط أدناه:
أن العثور على دلائل مادية تؤكد إستخدام مجسمات توثيقية تدعى (كلي توكنس/رموز طينية) أو ما يماثلها من حصا محززة في موقع سامراء/ شومِرا ما قبل التاريخ، وتحديداً في موقع تل الصوان الآثاري، لاسيما الحفريات في الطبقات البنائية القديمة التي تعود إلى فترة حوالي الألف السادس ق.م، بخاصة إبان فترة تحويل بعض غرف المعابد إلى مخازن صغيرة لخزن الغلال والحاجيات الأخرى، مما تطلب وجود وسائل إدارية توثيقية مادية مثل السلال والأختام، علاوة على وسائل توثيق بمعارف تجريدية (كلي توكنس) التي تطورت لاحقاً إلى رموز طينية لضبط المخزون والتبادل التجاري، التي تطورت في كيش (اﻟﭘروتوكلدية) إلى نظام الكتابة الصورية، التي تطورت بدورها إلى الكتابة المسمارية التي عرفت فيما بعد بالسومرية والأكدية.
كما أن تشابه فخار سامراء (شومِرا) وفخار أريدو من فترة العُبيد في الألوان والتقنيات، التي تعتمد على الطلاء بالألوان الداكنة (الأسود، البني، الأرجواني) على طين فاتح يميل لونه ما بين الإصفر والبرتقالي الفاتح وفي الغالب الأعم ما يسمى بالأوكر، مع زخارف حيوانية وهندسية دقيقة، لاسيما رمز الصليب والصليب المعقوف، وهيّ رموز تؤكد على ديمومة الحياة والخصب، مما يعكس تطوراً إجتماعياً وفنياً مشتركاً في حضارة بلاد الرافدين القديمة، وبأن سكان الرافدين الأوائل (اﻟﭘروتوكلديين) سواء في شمال العراق القديم أو وسطه وجنوبه كانوا وحدة ثقافية واحدة، وبأنهم وفقاً للإقتباسات التي سبق لي وأن أوردتها لثقاة المؤرخين والآثاريين الأجانب والعراقيين، بخاصة تلك الإقتباسات التي تؤكد على تواصل حضور اﻟﭘروتوكلديين في المدن التاريخية مثل أريدو وأو وأوروك وﻟﮕش وغيرها منذ العصر الحجري الحديث من ناحية، ومن ناحية أخرى، أثبتُ في هذه الدراسة وبشكل حاسم، بأنه لم يكن هنالك على طول تاريخ وادي الرافدين ثمة شعب (سومري)، لذلك فأن السؤال هنا، لاسيما لهؤلاء المروجين لإدعاء (سومرية أور)، كيف يمكن أن تكون (أور) سومرية إن لم يكن هنالك سومريون أصلاً؟!
1 مصطلح (ﭘروتوكلدي)، تم إطلاقه عام 1988، من قِبل المؤرخ عامر حنا فتوحي لتعريف فترة ثقافة ما قبل الإنبعاث الثقافي السومري. حيث أستخدم هذا المصطلح لأول مرة في الدراسة الموسومة “أور الكلدان – رؤية عراقية”. بعد ذلك أصبح المصطلح (ﭘروتوكلدي) شائعا بين علماء التاريخ والآثار العراقيين منذ تسعينات القرن المنصرم، وعلى مستوى العالم، مع مطلع عام 2004 للميلاد.
2 طه باقر، ملحمة كلكامش، 1986، ص 209
3 سيتون لويد، آثار وادي الرافدين من العصر الحجري القديم إلى الإحتلال الفارسي، لندن، 1978، ص 160 –16، أيضاً هنري فرانكفورت، مولد الحضارة في الشرق الأسط، ص 78، أنطون مورتكات، تاريخ الشرق الأدنى القديم، ص 51 وص 74، أنظر أيضاً والتن، التنقيبات في كيش، المجلد الرابع، 1934، أنظر كذلك سومر العدد 22 ، 1966 ص
4 عامر حنا فتوحي، كالدين ليكاسي، ص 340، أنظر أيضاً وليم إف. ألبرايت، الكتابات الكلدانية ما قبل العربية ، 1952 ، ص 39
5 ألبرخت ﮔوتزة، سومر م 22، 1966، ص 73
6 أنطون مورتكات، الفن في العراق القديم – النحت المجسم، بغداد 1975م، ص 205 -214
7 إي أي سبيزر، الأصول الرافدية، لندن، 1930 ص 38، صامويل نوح كريمر، مجلة الآثار الأمريكية، 1948، ص 150 ف ف
8 صامويل نوح كريمر، مجلة الآثار الأمريكية، 1948، ص 150 ف ف
9 حياة أبراهيم محمد، نبوخذنصر الثاني، 1983، ص 56
10 ألبرخت ﮔوتزة، سومر م 22، 1966، ص 73
11 د. نائل حنون، حقيقة السومريين ودراسات أخرى في علم الآثار والنصوص المسمارية، ط دمشق 2007 ، ص 46
12 د. نائل حنون، المصدر السابق ، ص 22
14 عامر حنا فتوحي، الكلدان سكان العراق الأصليين، تاريخ زاهر وتحديات معاصرة، أطروحة دكتوراه، هولندا 2019م، ص 36-37
15 طه باقر، مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة ، ص 64، د. نائل حنون المصدر السابق
16 أنطون مورتكات، الفن في العراق القديم، بغداد 1975م، ص 63 -73 ، أيضاً هنري فرانكفورت، مولد الحضارة في الشرق الأسط، ص 78، وكذلك دراسة كلود هيرمان والتر، جامعة كمبردج التي نشرت في دائرة المعارف البريطانية لعامي 1910 – 1911 المجلدين الثالث والرابع. أنظر أيضاً سيتون لويد، آثار وادي الرافدين من العصر الحجري القديم إلى الإحتلال الفارسي، لندن، 1978، ص 160 –161 ،أنظر أيضاً د. إي. ريس، بيت التاريخ منذ أوائل البشر حتى سقوط روما، ط 1934 – 1936
17 طه باقر، مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة ، ص 64
18 د.فوزي رشيد ، قواعد اللغة السومرية ، ص 24
19 د.فوزي رشيد ، قواعد اللغة السومرية ، ص 31،
20 د. عامر سليمان، اللغة الأكدية، طبعة ثانية 2005 ، ص 36، د. نائل حنون، المعجم المسماري، ص 89
21 هنري لابات، قاموس العلامات المسمارية، ط 2004 ، ص 395، طه باقر، مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة ، ص 64 ،، أنظر أيضاً د. علي ياسين الجبوري، قاموس اللغة الأكدية العربية، أبوظبي
22 د. نائل حنون، حقيقة السومريين ودراسات أخرى في علم الآثار والنصوص المسمارية، ط دمشق 2007 ، ص 36
23 طه باقر، مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة ، ص 287
24 دايان ولكيستاين وصامويل نوح كريمر، إنانا ملكة السماء والأرض، 1983
25 طه باقر، مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة ، ص 119
26 جورج روو، العراق القديم، بغداد 1984م، ص 507، حياة أبراهيم محمد، نبوخذنصر الثاني، 1983، ص 52 ، فريتز كريشن، عجائب الدنيا في عمارة بابل، 1982
27 حياة أبراهيم محمد، المصدر السابق، مرﮔريت روثن، علوم البابليين، ص 56 ، الكلدان منذ بدء الزمان، ص 37
28 ألبرخت ﮔوتزة، سومر م 22، 1966، ص 73
29 طه باقر، ملحمة كلكامش، 1986، ص 29،
30 كرستوفر لوكاس، حضارة الرقم الطينية وسياسة التربية والتعليم في العراق القديم، ترجمة يوسف عبد المسيح ثروة، الموسوعة الصغيرة، ص 12
الرابط: https://tinyurl.com/3cctfh22