في كل مناسبة عراقية جامعة، وفي كل حدث يحظى باهتمامٍ شعبي أو إعلامي، يطلّ علينا الخطاب الآشوري الحديث بالرمز نفسه، وبالطريقة نفسها، وبالرغبة نفسها في اقتناص المشهد العام وإعادة توظيفه لصالح سرديةٍ سياسية وهوياتية متنازع عليها. ومع انشغال الشارع العراقي بمباريات كأس العالم، ومشاركة المنتخب العراقي للمرة الثانية بعد أربعين عامًا، بدا واضحًا أن بعض أنصار هذه السردية لم يفوّتوا الفرصة، فسعوا بكل ما أوتوا من حماسة إلى إظهار “علمهم” بصيغته المستحدثة أمام شاشات التلفزة، وكأن الحدث الرياضي الوطني لا يكتمل إلا بإقحام قضية إثنية فيه، أو كأن تشجيع المنتخب لا يكفي ما لم يُرفق بمحاولة إعادة تسويق رواية تاريخية شديدة الهشاشة
والرسالة التي يراد تمريرها من خلال هذا الحضور الرمزي تبدو واضحة إلى حد السذاجة: نحن هنا، نحن أبناء آشور، نحن لم ننقرض، وكل من قال بزوال الإمبراطورية الآشورية أو انقطاعها التاريخي كان مخطئًا، من النصوص الدينية إلى السرديات التاريخية إلى الدراسات الحديثة التي تناولت تشكل الهوية الآشورية المعاصرة في سياقات القرن التاسع عشر ودور الإرساليات الغربية والقوى الاستعمارية في بلورتها. وبعبارة أخرى، يُراد من لقطة تلفزيونية عابرة أن تقوم بما عجزت عنه النصوص والوثائق والتحليلات المقارنة: إثبات استمرارية تاريخية وقومية مباشرة بين كيانٍ إمبراطوري قديم وجماعاتٍ حديثة تشكلت هوياتها ضمن شروط دينية وسياسية ولغوية مختلفة تمامًا
غير أن المفارقة التي تستحق التوقف ليست في رفع الرمز وحده، بل في التناقض البنيوي الذي يكشفه هذا السلوك. فإذا كانت “أرض آشور” تحتل هذا الموقع المركزي في الخطاب القومي المعلن، فأين هي هذه الأرض أولًا في الخرائط السياسية الواقعية، وفي المشاريع العملية، وفي التعريفات المتداولة بين أصحاب هذه الدعوى أنفسهم؟ وإذا كانت بعض المنابر لا تكف عن تكرار شعارات من نوع “آشور المحتلة”، فأين يختفي هذا الخطاب حين يحضر أنصار هذه الشعارات أنفسهم في مناسبات وطنية عراقية عامة، أو حين يشاركون في فعاليات تقام تحت سيادة الدولة التي يُفترض، وفق خطابهم، أنها قائمة على “أرضهم المحتلة”؟ هنا لا يعود الأمر مسألة هوية بقدر ما يصبح تمرينًا متقنًا على ازدواجية الخطاب: لغة تصعيدية للاستهلاك الإعلامي، وسلوك براغماتي عند أول اختبار واقعي
والأهم من ذلك أن هذا النمط من الحضور يكشف اعتمادًا متكررًا على مبدأ الانتهاز الرمزي؛ أي استثمار كل مناسبة ممكنة، بغض النظر عن سياقها ووظيفتها ومعناها الوطني، لتحويلها إلى منصة دعائية. وهي ممارسة لا تنسجم لا مع القيم السياسية الرصينة، ولا مع المبادئ التي تُبنى عليها المجتمعات المستقرة، ولا مع أخلاقيات الخطاب العام الذي يفترض قدرًا من الاتساق والوضوح. فالدول لا تُبنى على المراوغة الرمزية، والحضارات لا تزدهر على إعادة تدوير الأساطير السياسية، والشرعية التاريخية لا تُنتزع عبر التلويح بعلمٍ أمام الكاميرا ثم مطالبة العالم بأن يعامل ذلك بوصفه برهانًا وجوديًا
ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: هل نحن أمام مشروع تاريخي متماسك فعلًا، أم أمام سردية تعيش على الفرص العابرة، وتقتات على المناسبات الجماهيرية، وتستبدل البرهان بالاستعراض، والتاريخ بالهتاف، والاتساق بالمصلحة الظرفية؟ وإذا كان الذين يرفعون هذه الشعارات هم أنفسهم، أو أقرب المقربين منهم، يشاركون في فعاليات عامة تحت الرايات التي يهاجمونها في خطابهم، فأي معنى يبقى عندئذٍ لمقولات “الاحتلال” و”الحق التاريخي” و”الاسترداد القومي”؟ أهو تناقضٌ غير واعٍ، أم أنه التطبيق العملي للمبدأ الشعبي المعروف: إظهار الضعف حتى تحين لحظة التمكين؟
إن المشكلة، في نهاية المطاف، لا تكمن في مجرد استخدام رمزٍ هوياتي، بل في محاولة فرض سردية مشكوك في أسسها عبر التكرار الإعلامي والاستثمار العاطفي، وكأن كثافة الظهور يمكن أن تعوّض فقر الدليل، أو كأن الإلحاح على الادعاء يمكن أن يحوّله إلى حقيقة. وهنا تحديدًا تتجلى سخرية المشهد: فكلما ازداد الاستعراض، ازداد معه انكشاف التناقض بين اللغة المعلنة والواقع الفعلي، وبين الادعاء التاريخي ومتطلبات البرهنة العلمية
https://tinyurl.com/2xjexa8z :رابط التعليق